الصفحات

الخميس، 9 أيار، 2013

(عدم احتمال تدويل النزاع السوري)


صحيفة الفيغارو 9 أيار 2013 بقلم الباحث فريدريك إنسيل Frédéric Encel

     إن التركيز على شبح اتساع الحرب الأهلية السورية يؤدي في النهاية إلى رؤيته في كل حدث جديد مثل الغارات الإسرائيلية الأخيرة على دمشق. ولكن تدويل النزاع السوري لن يحصل لأسباب عديدة.
     على الصعيد الإقليمي، لا ترغب أي دولة من جيران سورية بالانخراط عسكرياً في سقوط بشار الأسد. بالتأكيد، يمكن أن تحلم إسرائيل بجار أكثر ودّاً، ولكن هذا الجار يتمتع بصفة هامة هي إمكانية التوقع بردة فعله ، بالإضافة إلى أنه لم يقم بأي اعتداء على الدولة اليهودية، نظراً لمعرفته بأن موازين القوى ليست في صالحه. بالمقابل، في حال وصول سلطة إسلامية ـ قومية إلى السلطة في دمشق، ربما تحاول هذه السلطة استخدام إسرائيل كعامل لتقوية الارتباط الوطني من خلال استعدائها. في الواقع، لم تسع إسرائيل أبداً إلى سقوط النظام السوري على الرغم من الغارات الأخيرة التي استهدفت مستودعات الصواريخ الإيرانية التي كانت مُتجهة نحو حزب الله.
    فيما يتعلق بتركيا، اقتصر دور رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان على القيام بدور الشجاع المُزيّف ضد جاره "الأخ والصديق والحليف" الأسد، وتغيّر موقفه منذ بداية القمع عام 2011 لكي يُظهر دعمه أخيراً للشعوب العربية المُكافحة وإخفاء العجز التركي في هذه الأزمة! سمح الأسد للأكراد السوريين المسلحين بالحصول على الحكم الذاتي، ودمّرت المدافع السورية طائرة فانتوم F4 وبعض المراكز الحدودية، ولكن الرد التركي مستحيل بسبب الرفض الأمريكي. لقد ظهر أن ما يسمى بـ "صعود القوة التركية" هو مجرد وهم...
     في الجنوب، يستقبل الأردن الهاشمي اللاجئين على أرضه. ولكن الملك عبد الله، حتى ولو كان سنياً، لا ينظر بعين الرضى إلى وصول الإخوان المسلمين على حدوده الشمالية. يتصف الملك الأردني بالبراغماتية والاعتدال وهو في حالة سلام مع إسرائيل، ويواجه حالياً معارضة إسلامية قوية داخل مملكته البدوية الهشة.
     فيما يتعلق بالجار العراقي الذي يُهيمن عليه الشيعة منذ سقوط الدكتاتور السني صدام حسين عام 2003، فإنه يواجه تمرداً سنياً قوياً أكثر فأكثر، ويخشى من سلطة سورية سنية تدعم "إخوانها" في العراق.
     فيما يتعلق بالسعودية وقطر اللتان لا تملكان حدود مشتركة مع سورية، فإنهما تقدمان الدعم المالي من أجل سقوط العلماني العلوي (الشيعي) الأسد، وتأملان باستبداله بسلطة ليست فقط سنية بل محافظة جداً على نمطهما. إذا كانت الطائرات المروحية المقاتلة السعودية قد أظهرت فعاليتها تجاه النساء والأطفال الشيعة المتمردين في البحرين، فإنها لن تُستخدم ضد الجيش السوري القوي.
     في مواجهة هذه الدول التي لا تتحرك بدافع الخوف أو القناعة، يحظى بشار الأسد بالدعم المالي والعسكري المباشر من حليفيه الشيعيين إيران وحزب الله اللبناني.
     على الصعيد الدولي، إن "اللعبة" السورية تُذكّر قليلاً بالحرب الباردة عندما كانت الدول العظمى تحرص على تجنّب المواجهة. من جهة أولى، تشعر موسكو وبكين بالغضب من التدخل الغربي في ليبيا الذي انتهى بسقوط القذافي على الرغم من التعهدات المُقدمة، وتدعمان دمشق باسم المبدأ المقدس لسيادة الدولة. سيستمر هذا الموقف باعتبار أن روسيا هي حليف  عسكري قديم جداً لسورية (منذ عام 1953!) وسورية هي الحليف الوحيد لروسيا في البحر المتوسط (معدات عسكرية وأساطيل بحرية في ميناء طرطوس...). عبّر فلاديمير بوتين عن دعمه إلى بشار الأسد سواء على الصعيد الدبلوماسي (استخدام حق الفيتو في مجلس الأمن) أو ميدانياً (إرسال كميات كبيرة من الأسلحة الثقيلة)، ولا يواجه بشار الأسد أي تدخل غربي مباشر.
     من جهة ثانية، تخشى الدول الغربية من الانتقام الروسي في حال التدخل، سواء بشكل غير مباشر في القوقاز وإيران وآسيا الوسطى، أم بشكل مباشر عبر مواجهة حقيقية. إن احتمالات هذا الكابوس تُفسّر بشكل كبير الموقف المُترقّب للحلف الأطلسي وتردد باراك أوباما. وهكذا، مرّت الإنذارات والتهديدات الفرنسية والبريطانية ضد الدكتاتور السوري، واقتصر الانخراط الغربي على تقديم مساعدة طبية ولوجستية إلى الجرحى واللاجئين في الدول المجاورة. إنها مساعدة لا تُقلِق الأسد الذي يتبجح في جميع كلماته الرسمية النادرة.
     أخيراً، تُظهر الجامعة العربية حالة لا مثيل لها من الضعف السياسي والعسكري، وهي عاجزة عن تبني موقف منسجم تجاه الأزمة السورية، وبالتالي لا تستطيع التأثير جدّياً على النقاشات. يعود سبب هذا العجز بشكل أساسي إلى الانقسام بين السنة والشيعة والاضطرابات الناجمة عن الربيع العربي. إن هذا العجز يمنع من الحديث عن انفجار دولي على الرغم من أن الجامعة العربية تمتد من المغرب إلى عُمان وتضم 23 دولة.
     بالمحصلة وبعكس ما قيل هنا وهناك، إن الغارات الإسرائيلية التي أعقبها صمت كامل في مجلس الأمن، لن تُغيّر معطيات النزاع السوري، ولن تؤدي إلى اشتعال الوضع. إنه خبر جيد للسلام العالمي، وخبر سيء للشعب السوري الذي قد يعاني لفترة إضافية طويلة من حرب أهلية، ولا يبدو أن هناك أي شيء يستطيع إطفاءها حالياً.