الصفحات

الأربعاء، 15 أيار، 2013

(من أجل الشعب السوري)


صحيفة الليبراسيون 14 أيار 2013 بقلم الأستاذ الجامعي جان بول شانيولو Jean-Paul Chagnollaud، وحامل الدكتوراه في الآداب غيث جاسر ،Ghaiss Jasser والباحث في مبادرة الإصلاح العربية سلام كواكبي، والمستشارة والصحفية المستقلة آنييس لوفالوا Agnès Levallois، والسفير الفرنسي بيير لافرانس Pierre Lafrance، والأستاذ الجامعي والمحامي الدولي جيرو دو لابراديل Géraud de la Pradelle، والأستاذة المحاضرة في الجغرافيا ليلى فينال Leila Vignal، وذلك باسم معهد الدراسات والأبحاث المتوسطية والشرق أوسطية (IREMMO)

     خلال عدة أيام، جاءت عملية التفجير الدامية في تركيا والغارات الإسرائيلية على سورية لتُذكّر بالخطورة الكبيرة للمأساة السورية وأخطارها بزعزعة الاستقرار إقليمياً. ولإضافة المزيد من الغموض، سمحت لنفسها القاضية الدولية وعضوة لجنة التحقيق الأممية حول سورية السيدة ديل بونتي باتهام المعارضة باستخدام الأسلحة الكيميائية بدون براهين. وهكذا اختلط صوتها ـ الذي نفته الأمم المتحدة بسرعة ـ بجميع الأصوات التي تسعى إلى إنكار حقيقة وضع يشنّ فيه النظام حرباً ضد شعبه. هناك إدعاءات كثيرة بأن الصدامات بين المتظاهرين وقوات حفظ النظام كانت بسبب تسرّب بعض العناصر القادمين من الخارج، وأن المرصد السوري لحقوق الإنسان كان ينشر معلومات خاطئة بشكل ممنهج، وأن الدول المعادية لسورية كانت تدفع وتتلاعب بالمعارضة، وأن المعارضة ليست إلا حركة أصولية سنية تميل إلى المواقف الجهادية والتحالف مع تنظيم القاعدة.
     حتى ولو أنه يجب الاعتراف بأن الوضع في غاية التعقيد وأن هناك الكثير من المناورات، فإن مثل هذه التأكيدات المختزلة لا تصمد أمام الدراسة النقدية للأحداث. منذ البداية في شهر آذار 2011، كانت قوات النظام هي الوحيدة التي ارتكبت أعمال العنف مثل: إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين السلميين والاعتقالات التعسفية والتعذيب والمجازر التي قامت بها الميليشيات والجيش بحق المدنيين. لم تصل حركات الاحتجاج إلى المدن فقط، بل أيضاً إلى الأرياف والجامعات مثل جامعتي حلب ودمشق. لو كان الأمر يتعلق بإسكات بعض المجموعات المشاغبة الصغيرة والمأجورة للخارج، فقد كان بإمكان الأجهزة الأمنية السورية لوحدها القيام بمهمة القضاء على قادة هذه المجموعات.
     استمر القمع بالتصاعد، واكتسى بسرعة بُعداً عسكرياً يُدينه القانون الدولي. لا يحق لأحد القيام بعمليات لحفظ النظام عن طريق استخدام الطائرات والأسلحة الثقيلة لقصف المدنيين والمستشفيات، واستخدام الصواريخ البالستية في المناطق المأهولة، واستخدام الأسلحة الكيميائية كما يبدو عليه الوضع. إنها جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب بالمعنى القانوني الدولي. إن ذلك ينطبق أيضاً على أعمال الترهيب التي ارتكبتها بعض المجموعات المسلحة المعارضة.
     بقيت المؤسسات الدولية عاجزة تجاه هذه المأساة وهذه الانتهاكات الواسعة للقانون. من المعروف ماذا حصل ببعثات السلام التي عهدت بها الأمم المتحدة إلى كوفي عنان والأخضر الإبراهيمي: اتفاقات مُنتهكة بمجرد التوصل إليها. إن مجلس الأمن مشلول بسبب الفيتو الروسي، وبالتالي، لم يكن بالإمكان اتخاذ أي إجراء لتجنب "التهديد ضد السلام والأمن الدوليين" حسب المعنى الوارد في الفصل السابع من الميثاق. إن مثل هذا المأزق يمنع أية إمكانية لتطبيق "مسؤولية حماية" السكان، على الرغم من أن هذه المسؤولية "تقع على عاتق المجتمع الدولي ضمن إطار الأمم المتحدة" بموجب القرارين رقم 1674 عام 2006 ورقم 1894 عام 2009 اللذين تم تطبيقهما في ليبيا وساحل العاج. ومن المستحيل طلب انعقاد المحكمة الجنائية الدولية.
     يمكن تفسير جمود المجتمع الدولي بعدة أسباب، إذا كان بعضها مشروعاً، فإن بعضها الآخر يمثل وهماً ويُستخدم كحجة من أجل عدم القيام بأي شيء. كانت سورية عاملاً في توازن الشرق الأوسط، ولكن تقديمها كبلد قادر على الصمود تجاه إسرائيل من أجل دعم القضية الفلسطينية هو أمر قابل للنقاش. القول بأن نظام الأسد كان يحمي الأقليات وأن أخطار المواجهة الطائفية بعده ستكون مرتفعة فيه مبالغة كثيرة. كان الأكراد مُهمّشون، والانفتاح تجاه المسيحيين لم يمنع أغلبهم من مغادرة البلد منذ عام 1970.
     تعرّضت المسألة الدينية للتلاعب أيضاً. كانت الأقليات، وحتى الأقلية العلوية، رهينة بأيدي السلطة الحاكمة. تم تشجيع نمو تيار إسلامي اجتماعي، وهذا يتناقض مع الأفكار الموروثة عن نظام علماني يُدافع عن المسيحيين. ما زالت هناك عقبة التناقضات داخل المعارضة ومصاعبها في توحيد نفسها، ولكن المعارضة بذلت جهداً لبناء الإئتلاف الوطني، ولم تحصل على شيء مقابل ذلك.
     خلال هذا الوقت، تقوم روسيا بتسليم جميع أنواع الأسلحة التي يحتاجها النظام دون أي رادع. هناك انخراط إيراني واضح، ويتواجد حزب الله مع مقاتليه. لا شك أن النظام لن يكون قادراً على الصمود فترة طويلة تجاه التمرد الشعبي بدون هذا الدعم. لم تنخرط السعودية وقطر بشكل مباشر، ولكن هناك دعم مالي من مصادر خاصة بشكل أساسي، ويصل هذا الدعم إلى بعض أجزاء المعارضة التي تتفق مع المصالح والتوجهات الإيدلوجية لهؤلاء المانحين.
     فيما يتعلق بالدول الغربية التي قالت في قمة الثمانية في شهر نيسان 2013 أنها "مرعوبة" بسبب عدد القتلى، فهي تتردد وتُراوغ وتعلن عن شيء ثم عن نقيضه. إنها تحتمي وراء شيء صحيح هو أنه لا يمكن القيام بأي شيء قانوني بدون موافقة مجلس الأمن. ومن المعروف أن اتخاذ قرار عمل عسكري بدون الأمم المتحدة سيخلق ردود فعل دولية عنيفة، بالإضافة إلى ردود عسكرية قوية من النظام بلا شك. إذاً، لن يؤدي ذلك إلا إلى إضافة الحرب إلى الحرب. تعتبر واشنطن أن الوضع الوحيد الذي بإمكانه تغيير المعطيات هو استخدام الأسلحة الكيميائية من قبل النظام. من المحتمل أن هذا الأمر قد حصل، ولكن الولايات المتحدة لم تتحرك. إن الخطوط الحمراء التي وضعها باراك أوباما تُشبه خط الأفق الذي يبتعد كلّما اقتربنا منه. سيترتب على هذه المماطلات نتائج جسيمة، فقد كتبت الواشنطن بوست: "إنه تشجيع لهجمات كيميائية أخرى". وهو أيضاً شكل من إعطاء الرخصة بالقتل بشكل "تقليدي". إن عدم القيام بأي شيء هو أسوأ الخيارات بلا شك، لأن ذلك يعني السماح بتفاقم وضع لا يمكن احتماله أصلاً...
     بالنسبة للأمم المتحدة، إنها مأساة إنسانية: ثمانين ألف قتيل وأربعمائة ألف جريح و1.4 مليون لاجىء مُسجّل وأربعة ملايين نازح من أصل 21 مليون نسمة. هناك ستة ملايين شخص بحاجة إلى مساعدة إنسانية عاجلة، وعشرات آلاف الأطفال محرومين من التعليم لأن خمس المدارس غير قابلة للاستخدام. تم تدمير عدة مدن بشكل كامل أو جزئياً مثل بعض المواقع التاريخية التي لا تُقدّر قيمتها بثمن. كما انهار الاقتصاد بشكل كامل.
     إذا استمر هذا الوضع، فإن سورية بأسرها ستستمر بالتفتت. وصل العنف إلى حدوده القصوى لدرجة أن الرعب أصبح عادياً وتحطمت المعايير الأخلاقية الأكثر بساطة. يتحمل النظام المسؤولية الأولى في هذا التفسّخ الأخلاقي بسبب استخدامه منذ البداية للوسائل الأكثر بشاعة لمواجهة تمرد لم يتحمّله. سيتزعزع استقرار المنطقة أكثر فأكثر، ونرى ذلك في الدول المجاورة مع تدفق  اللاجئين إلى تركيا والأردن ولبنان والعراق. سيخرج محور دمشق ـ طهران مُعززاً. ستُبرهن روسيا على قدرتها بأن تصبح قوة عظمى، ولكن بأي ثمن؟ ستفقد الأمم المتحدة مصداقيتتها مرة أخرى، وستتعرض مبادئها للإهانة.
     إذاً، الحل السياسي ضروري وبشكل عاجل... بدون بشار الأسد، ولكن مع بعض الشخصيات المُقرّبة من النظام. ولكن هل يمكن تصوّر مثل هذا الخيار بمعزل عن موازين القوى على الأرض؟ إذا كان الجوب بالنفي، يجب تزويد المعارضة بالأسلحة التي تسمح لها بحماية السكان. إذا كان الجواب بالإيجاب، يجب إقناع الروس بتغيير موقفهم. ولكن يمكن الاعتقاد جدياً بأنه من الممكن تغيير موقف موسكو بدون تغيير موازين القوى على الأرض؟ إنه أمر غير مُحتمل.
     إذاً، يجب التحرك. يمكن أن يشمل هذا التحرك القضاء على القوات الجوية والأرضية عبر القصف من أجل ضمان أمن المناطق التي تُسيطر عليها المعارضة. يواجه مثل هذا السيناريو اعتراضين: الأول، إن دعم التمرد بهذا الشكل يعني السماح له بالصمود، ولكن السلطة ستحصل على دعم خارجي ولن تكون مُجبرة على التفاوض. يفترض هذا التحليل أن روسيا وإيران وحزب الله سيكونون مستعدين لحرب طويلة من أجل النظام السوري. نعتقد بأننا نستطيع التأكيد بأن الروس سيقبلون التفكير بتغيير النظام في سورية إذا تأكدوا بأن طائرات هذا البلد سيكون مصيرها التدمير واحدة تلو الأخرى. الاعتراض الثاني، في حال ترافق القضاء على الوسائل الدفاعية للنظام السوري مع تزويد المتمردين بالأسلحة الضرورية، هناك خطر بوقوع هذه الأسلحة بأيدي الإسلاميين الراديكاليين. إن الصعود الواضح لقوة هؤلاء المقاتلين، ومنهم جبهة النصرة، تجعل من الصعب جداً القيام بمثل هذه العملية، ولكن لا يجب أن يكون ذلك ذريعة للجمود. من الممكن بالتأكيد مراقبة تداول هذه الأسلحة التي سيجري تسليمها حصراً إلى الجيش السوري الحر.
     أعلنت فرنسا عن إرسال الأسلحة، ثم تراجعت. تحدثت الولايات المتحدة مؤخراً عن مثل هذا الخيار. يمكن أن تخلق مثل هذه التصريحات آمالاً كاذبة، وتُشجع الأعمال التي لا مستقبل لها من قبل أولئك الذين توقفوا عن الاعتقاد بها. إن عدم وجود أفعال لمتابعة هذه التصريحات يُهدد بالتسبب في خسائر جديدة بالأرواح البشرية.
     إذا ظهر أن التدخل المباشر مستحيل بدون الشرعية الأممية، فإن التخلّي عن المعارضة لكي تتحرك وفق آلياتها الخاصة وتناقضاتها، سيُعزز العناصر الأكثر راديكالية التي ستتسبب بدورها بقمع أعمى أكثر فأكثر. وعندها سنُلاحظ متأخرين جداً أن الجمود يمكن أن يكون دامياً.