الصفحات

الجمعة، 24 أيار، 2013

(مع عناصر ميليشيات تنظيم القاعدة في سورية)

مجلة اللوبوان الأسبوعية 23 أيار 2013 بقلم مراسلها الخاص في جبل الزاوية نيكولا هينان Nicolas Hénin

     إنه طويل القامة لدرجة أنه يمشي مُترنحاً، ولا يُقدّم نفسه إلا باسمه الحربي: أبو عبد القادر. إنه أحد أمراء جبهة النصرة في جبل الزاوية، ورئيس إحدى وحدات تنظيم القاعدة. استقبلنا بدون موعد سابق في منزله المتواضع بإحدى القرى على سفح الجبل. يسكن في الطابق الثاني، ويبدو أن أحد الانفجارات دمّر الطابق الأول في المنزل. تُغطي الأنقاض والأسلاك الكهربائية أرض المنزل، بالإضافة إلى بعض القطع المعدنية المُصنّعة وغريبة الشكل. جلسنا على سجادة في وسط الصالون، وقدّم ابنه القهوة التركية. كان يرتدي ثياباً مدنية، وله لحية كثيفة. ليس هناك إلا جعبة الخراطيش على إحدى الكراسي لكي تُذكّر بأننا أمام أحد المقاتلين.
     لم يسمح لنا بإلتقاط الصور، وأجاب على أسئلتنا بشكل موجز تاركاً بعض الفجوات في حديثه بشكل مقصود. قال أبو عبد القادر: "نحن مثل الجيش الحر بالضبط. هدفنا هو سقوط بشار الأسد يلعنه الله. الإختلاف الرئيسي بيننا هو أننا لا نطلب مساعدة خارجية بعكس بقية المعارضة. لأننا لا نقبل أن يُملي علينا الأجنبي  تصرفاتنا، وأن يقول لنا ماذا يجب أن نفعل في سورية بعد سقوط النظام". إنه يحذر من الغرب بشكل كامل، وقال: "إنهم يريدون سقوط بشار، ولكن من أجل استبداله ببشار آخر! نحن في جبهة النصرة لا نحب الصحفيين لأننا نعرف بأن جميع وسائل الإعلام والمنظمات الدولية، سواء كانوا تابعين للأمم المتحدة أم منظمات غير حكومية، هم غطاء لوكالات الاستخبارات. ولكننا نسمح لهم بالعمل، ولم نُهدد أو نخطف أي صحفي. بالمقابل، نحن نقتل موظفي وسائل الإعلام السورية الذين يقعون بأيدينا. هذا أمر طبيعي، لأنهم يعملون والمسدس على خصرهم. إنها عملاء للنظام لا أكثر".
     حاول طمأنتنا قائلاً: "بعد سقوط النظام، ستكون مهمتنا الأولى إصلاح البلد. عانت سورية كثيراً، وهناك الكثير من الدمار. ثم سنحاول تطبيق نظام مُطابق للإسلام، ولكننا سنمشي مع توجيهات الشعب. فيما يتعلق بإسرائيل، سنرى فيما إذا كنا سنستمر بالمقاومة وكيف. إن معركتنا الأساسية في سورية". كان أبو عبد القادر غامضاً حول انضمامه إلى تنظيم القاعدة، وقال: "أمضيت أربع سنوات في السجن بعد أن  اتهمني النظام بالجهاد في العراق. في ذلك الوقت، لم يكن هذا الاتهام صحيحاً، ولم يكن لدي أي نشاط سياسي مع الإخوان ولا مع تنظيم القاعدة ولا أي جهة أخرى. كنت مُعجباً فقط بأفكار وإستراتيجية تنظيم القاعدة".
     روى لنا أحد أصدقائه المعارضين العلمانيين حكاية تغيّر أبو عبد القادر، وقال: "عندما كانت الثورة سلمية في بدايتها، كنّا مجموعة من أربعة أشخاص تُشارك في المظاهرات بقريتنا. في أحد أيام الجمعة، هاجم عناصر الشرطة السياسية المتظاهرين من أجل اعتقالنا، ولكنني استطعت الهرب مع صديق آخر، ووقع هو بالأسر. بقي ثلاثة أسابيع في أحد زنازين أجهزة الاستخبارات. عندما خرج، لم يتحدث إلى أي شخص، ولم يكن يريد رؤية أحد. بقي عدة أشهر قابعاً في منزله، ولم نره إلا عندما حمل السلاح. ولكن ليس مع الجيش الحر بل مع جبهة النصرة". إذا أردنا تلخيص جميع لقاءاتنا مع الناشطين الجهاديين، يبدو لنا أن هذا المسار أمر ثابت. من الغريب ملاحظة أن السجن والتعذيب الممنهج الذي يرافقه يُشكلان دوماً طريقاً إجبارياً في حياة الجهادي، كما لو أنه يجب أن يكون سجيناً سياسياً قبل الإلتحاق بتنظيم القاعدة.
     شهدت الساحة القتالية السورية منذ ظهور جبهة النصرة نمواً كبيراً للمجموعات الجهادية. إن المنافس الرئيسي لجبهة النصرة هم أحرار الشام الذين لا يختلفون بشيء عن جبهة النصرة من الناحية الإيديولوجية، ولكنهم ينتقدونها بسبب "الصورة السيئة" الناجمة عن الإلتحاق بتنظيم القاعدة.  تحمل بقية المجموعات الجهادية أسماء مُتنوعة ومجازية مثل: سيف المشرق وأنصار السنة وأنصار الحق، ومن الصعب تحديد اختلافاتهم الإيديولوجية ومصادر تمويلهم. يبدو أن معظمهم يحصل على تمويل من مصادر خاصة في الخليج أو من السوريين الذين يعيشون في الخارج. يبدو أن أحرار الشام مدعومة من السعودية، ولكن هناك الكثير من الشائعات مثل: أن أحرار الشام كانوا في البداية دمية بأيدي أجهزة الاستخبارات السورية بهدف مواجهة جبهة النصرة. يمكن أن تكون نظرية المؤامرة عبثية، ولكن دمشق لها ماضي طويل في التلاعب بالجهاديين سواء من أجل إرسالهم إلى العراق لمواجهة الأمريكيين، أو لزعزعة استقرار لبنان عندما كانت الأجهزة السورية تتحكم عن بعد بمجموعة فتح الإسلام الجهادية التي قاتلت الجيش اللبناني في طرابلس عام 2007.
     يُطلق السوريون على جميع هذه المجموعات اسم "الكتائب الإسلامية". إنها متواجهة بكثرة مع سيارات البيك أب والحافلات وسيارات الإسعاف التي تحمل شعار هذه الكتائب. إنهم لا يُخفوا أنفسهم، وهم مُندمجون بشكل كامل بين السكان في المناطق التي تُسيطر عليها المعارضة. تُمثل قرية البارة على سبيل المثال إحدى قواعدهم الرئيسية في المنطقة، ونراهم عندما يتجولون فيها، ويذهبون إلى المعركة مع عتادهم أو عندما يذهبون إلى المطعم لشراء الفراريج المشوية. ويُلاحظ أنهم يحظون بالإعجاب والتقدير لشجاعتهم في القتال وانضباطهم وتنظيمهم الفعال.
     لهذا السبب، تنتشر مشاعر القلق من ردود فعل المجتمع الدولي. أشارت معلومات صحفية، نقلاً عن شهود من الدرجة الأولى، إلى انعقاد اجتماع في الأردن بنهاية عام 2012 بين مسؤولين في وكالة الاستخبارات الأمريكية CIA وبعض قادة الجيش السوري الحر من أجل الاتفاق على تعزيز التعاون، ولكن هذا الاجتماع فشل حول المسألة الجهادية. يُطالب المتمردون بالأسلحة والتدريب، ولكن الأمريكيون يأمرونهم قائلين: "نريد منكم أن تقاتلوا جبهة النصرة. نحن نفضّل أن تُقاتلوا جبهة النصرة الآن، ثم جيش الأسد لاحقاً. يجب أن تقتلوا عناصر جبهة النصرة، وإلا سنقوم نحن بهذه المهمة". ولكن المتمردين قالوا: "ساعدونا على إسقاط النظام، وسنتكفل بجبهة النصرة فيما بعد". لقد هدد الضباط الأمريكيون بالقيام بحملة تصفية بواسطة الطائرات بدون طيار، وطلبوا من الجيش الحر تزويدهم بتفاصيل المخطط التنظيمي لهذه الحركة الجهادية وبالأماكن التي تتمركز بها قواعدها.
     هناك حدود للمعارضة السورية التي تعرف أن فرصتها بإسقاط النظام ضيئلة بدون جبهة النصرة والجيش الحر، وأكثر ما تخشاه هذه المعارضة هو ظهور الفتنة داخلها. انتقد المجلس الوطني السوري، الذي يقوده العلمانيون، بكل قوته القرار الأمريكي بتصنيف جبهة النصرة كحركة إرهابية منذ شهر كانون الأول 2012. على الرغم من ذلك، تُمثل المجموعات الإسلامية منافساً جدياً للجيش الحر، وتجذب آلاف المقاتلين الذين يُفضّلون الإلتحاق بوحدات قتالية أفضل تجهيزاً ولا تنقصها الذخيرة، وتدفع لهم راتباً على الرغم من معرفتهم بأن معظمهم سيموتون.
     تحظى العمليات الانتحارية التي يتخصص بها الجهاديون بالمديح. قادنا شرطي سابق اسمه (حمود) إلى أحد مفارق الطرق الكبيرة حول تفتناز لكي يدلنا على أنقاض إحدى القواعد العسكرية وقال: "نحن هنا في مكان مكشوف، ولا يوجد أي مكان نختبىء به. لقد خسرنا عشرات المقاتلين في محاولة الاستيلاء على هذا الموقع لكي نستطيع السيطرة على مفترق الطرق هنا. قامت جبهة النصرة بملىء إحدى الشاحنات بالمتفجرات، ونجحت بدخول القاعدة العسكرية وتفجيرها وقتل جميع الجنود دفعة واحدة. لهذا السبب، لم يسقط أي شهيد. كم من الوقت كان سيحتاج الجيش السوري الحر من أجل السيطرة على هذا المفترق من خلال محاصرة هذه القاعدة؟".
     يبقى الجيش الحر جامداً ويعمل لوحده. لقد أحس بالتعب من مقتل رجاله لكي يُسيطر على حقل زيتون بالقرب من الحميدية، وقام مقاتلوه بحفر شبكة من الخنادق. هناك مئات الأمتار من الخنادق التي تواجه بعضها البعض، ولا أحد يُخاطر بالخروج من خندقه، ويتم تبادل إطلاق النار بالرشاشات أو بقذائف الهاون. تحولت المزرعة المجاورة إلى مركز للقيادة العامة للكتيبة المتمردة، ويلعن فيها قادة الكتيبة الجمود الغربي، في الوقت الذي يُمضي فيه رجالهم الوقت بالتدخين وتناول المشروبات المُنشّطة. عندما سألنا القائد (أبو محمد) عن رأيه بجبهة النصرة، قال غاضباً: "اسمعوا، نحن جميعاً مسلمون معتدلون. ولكن إذا تُركنا لوحدنا نتعرض للقتل، سنُصبح جميعاً متطرفين. وأستطيع أن أقول لكم بأنه سيكون شرفاً لي. يقتل الجيش يومياً 500 أو 600 شخص، والعالم بأسره ينظر ويقول لنا أن جبهة النصرة إرهابية! هذا التعريف لا يُلائمنا".
     كان من المفترض أن يكون قبو هذه المزرعة مُخصصاً لصناعة الألبان، ولكنه تحوّل إلى مصنع للأسلحة، يوجد فيه راجمة صواريخ بحوالي 12 أنبوباً تتحكم بها عدة رافعات، وقال المتمرد مسروراً: "إنها صناعة سورية. نحن نصنع القذائف أيضاً. نحن لا نحصل على أسلحة من الخارج، ولذلك نصنعها بأنفسنا". كان يوجد على الأرض أيضاً صندوقان خشبيان كبيران يحويان قذائف هاون من مختلف العيارات. كانت الأجنحة الصغيرة لهذه القذائف مصنوعة بشكل سيء، وهناك آثار الشحذ على رؤوس القذائف بشكل يكشف عن صناعتها البدائية. في شمال سورية، تم بناء شبكة من الورشات السرية القادرة على إنتاج أسلحة أكثر فأكثر تطوراً مثل: المدافع والقذائف و الصواريخ، ومنذ فترة قصيرة الألغام المضادة للدبابات من طراز EFP. لقد نقلت المقاومة العراقية خبراتها في هذا المجال، وتتلخص بلحم كوب صغير من النحاس المُقعّر المصنوع بطريقة خاصة، داخل اسطوانة مليئة بالمتفجرات، وتتحول عند انفجارها إلى كمية من المعدن المصهور الذي ينطلق بسرعة عالية قادرة على اختراق جميع الدروع تقريباً.
     اعتبر أحد المُدونين في دمشق، وهو من العلمانيين المعارضين منذ وقت طويل ويعيش مختبأ في إحدى القرى بالقرب من إدلب، أن "عسكرة النزاع واضفاء الصبغة الطائفية عليه هي فخ نصبه النظام. لا يعرف النظام غير العنف، ولهذا السبب يقوم بدفع معارضيه إلى حمل السلاح والراديكالية. الأمر الذي سمح له في النهاية بأن يبرر خطابه عندما يقول: هل رأيتم ـ يقول بشار ـ كنت مُحقاً عندما قلت أنني أقاتل تنظيم القاعدة".