الصفحات

الاثنين، 20 أيار، 2013

(دمشق وموسكو: الصليب وراية المسيحيين السوريين)


صحيفة الليبراسيون 20 أيار 2013 بقلم هالة قضماني

     يظهر أن المبعوثين بلباس رجال الدين أكثر أهمية وفعالية من أكثر الدبلوماسييين موهبة بالنسبة للنظام السوري. تتعدد الزيارات التي يقوم بها المطارنة ورجال الدين في مختلف كنائس الشرق إلى العواصم الأوروبية لكي يتحدثوا عن خوف المسيحيين من الإعصار السوري. تم استقبالهم والإصغاء لهم في الوقت الذي بدأت فيه راديكالية التمرد المسلح تؤثر على تعاطف الرأي العام مع معارضي بشار الأسد. تم استقبالم في الوزرات والحكومات والبرلمانات والكنائس، ويقومون بالصلوات، ويُنظمون المؤتمرات عبر وسائل مختلفة داخل الرأي العام الأوروبي الذي يتحرك من اجل قضية مسيحيي الشرق المُهددين بالخطر الإسلامي. إذا كان بعضهم مثل مطران السرياك الكاثوليك في دمشق الأب إلياس طبي الذي زار باريس في شهر نيسان، يذهبون إلى درجة التأكيد بان "كلام بشار الأسد صحيح"، وأن مئة ألف قتيل "ليست هي المشكلة"، فإن البعض الآخر يتحدث بشكل غير مباشر. إنهم يُصلّون من أجل السلام في سورية في إطار دورهم كرجال دين، ويدعون إلى التعايش والحوار... مع النظام السوري. لقد بُنيت العلاقات بين ممثلي هذه الكنائس والنظام منذ وقت طويل.
     قال أيمن عبد النور الذي يعرف الوضع جيداً بصفته مهندساً مسيحياً من دمشق وكان أحد الوسطاء بين النظام وزعماء طائفته الأورثوذوكسية: "إنها سياسة شراء ممنهجة منذ عصر حافظ الأسد". كما تحدث عن الامتيازات الشخصية التي يحصل عليها رجال الدين، ولاسيما السماح بدخول لبنان بدون جمارك والسيارات الفخمة عندما كان استيرادها ممنوعاً تقريباً (خلال سنوات التسعينيات) أو حتى إعفائهم من الخدمة العسكرية الإجبارية بالنسبة لرجال الكنيسة، ويُضاف إلى ذلك: "إيصال التيار الكهربائي مجاناً إلى أماكن العبادة وجميع التجاوزات التي تمنحها الأجهزة الأمنية للمسيحيين عبر رجال الدين".
     انضم أيمن عبد النور إلى المعارضة عام 2004. كان مستشاراً سابقاً لبشار الأسد، وهو حالياً مدير الموقع الإخباري على الأنترنت all4syria.info، وشارك مع بعض المُثقفين بتأسيس حركة Syrian Christians for Democracy. انضم إلى هذه  الحركة بعض رموز المعارضة مثل ميشيل كيلو وبعض رجال الدين المغتربين مثل الأب سيريدون طنوس. أكد إلياس وردة، الدكتور في الفيزياء النووية والأستاذ في جامعة Orsay الفرنسية وأحد الأعضاء المؤسسين لهذه الحركة: "هدفنا هو جذب الطائفة نحو المعارضة وحرمان النظام من الورقة المسيحية"، ويعتذر عندما يتحدث بصفته "مسيحياً" قائلاً: "لم أحدد موقفي السياسي إطلاقاً عبر انتمائي الديني". لقد تم استخدام الأقليات كوسيلة لدفع المعارضين إلى التجمع على أساس طائفي.
     تُلوّح روسيا بورقة حماية المسيحيين عبر كنيستها الأورثوذوكسية القوية التي تُعزز علاقاتها مع كنائس الشرق. أكد أيمن عبد النور أن موسكو فرضت في شهر كانون الأول مرشحها البطريرك السوري يوحنا يازجي على رأس بطريركية الروم الأورثوذوكس في أنطاكية بدلاً من البطريرك هزيم الذي توفي عن عمر يناهز 92 عاماً. ينص قانون الكنيسة على أن يكون البطريرك بمرتبة مطران منذ أكثر من خمس سنوات، ولكن تم تغيير هذا القانون للسماح بانتخاب يازجي (57 عاماً) الذي كان رئيس مطارنة أوروبا الغربية والوسطى منذ أربع سنوات فقط. وذكّر أيمن عبد النور قائلاً: "إنها عملية التغيير نفسها للدستور السوري التي سمحت بتعيين بشار الأسد عام 2000، عندما كان عمره لا يسمح له بأن يكون رئيساً للجمهورية".
     أكد هذا المُعارض أن روسيا تُراهن على خوف الرأي العام الغربي من الجهاديين، وتُشارك بفعالية في حملة العلاقات العامة للنظام. لم يتم إهمال أية وسيلة للرأي في أوروبا، فقد وافقت الراهبة الفرانكوفونية ماري أنييس دولاكروا Marie Agnès Delacroix التي تُنظم الاجتماعات والمؤتمرات في أوروبا للدفاع عن النظام السوري، على دعوة جمعية فرنسا ـ إسرائيل في باريس لكي تتحدث عن التهديدات التي سيتعرض لها المسيحيون في حال سقوط النظام السوري. أكد أيمن عبد النور قائلاً: "لم يُقتل مسيحي واحد بصفته مسيحياً منذ بداية النزاع في سورية". ولكن بعض الكنائس تعرضت للاعتداء وتحطيم الصليب من قبل بعض المتمردين المسلحين، ولاسيما في شمال سورية الذي يفرض فيه المتمردون قوانينهم ويُهددون "الكفار". لقد تم تدمير المعبد التاريخي للكنيسة الإنجيلية في حلب بالمتفجرات، كما تزايدات عمليات الخطف وطلب الفدية التي تستهدف المسيحيين بشكل خاص في مناطق حماة وحلب. كما هو الحال بالنسبة لبقية السوريين القادرين مالياً، هرب الكثير منهم إلى الدول المجاورة وأوروبا وأمريكا. إن الخوف من تعرضهم للاضطهاد سمح لهم بالحصول على تأشيرات دخول ولجوء بسهولة.