الصفحات

الثلاثاء، 11 حزيران، 2013

(السلطة التركية في مواجهة أحد أكبر تحدياتها)

صحيفة الليبراسيون 10 حزيران 2013 بقلم مراسلها الخاص في أنقرة مارك سيمو Marc Semo

     إنها حركة غير مسبوقة في التاريخ التركي من حيث طابعها العفوي واتساعها وابتكاراتها المتنوعة. إنها تُذكّر بحركة الساخطين في إسبانيا و"ربيع كيببك" في كندا وأحداث أيار 1986 في فرنسا، واعتبرها الأستاذ الجامعي التركي أحمد إنسل Ahmed Insel أنها "تمرد الكرامة". إنها المرة الأولى التي يُوضع فيها رئيس الوزراء الإسلامي المحافظ في موقف دفاعي، وذلك بعد أن عرف خلال السنوات العشرة الماضية كيف يفوز بفارق كبير بثلاثة انتخابات تشريعية وباستفتائين.
     قال ميندريز سينار Menderes Cinar، أستاذ العلوم السياسية في جامعة Baskent بأنقرة: "إنه تحدي غيرمسبوق لأن أطفال العقيدة الكمالية يتظاهرون باسم الحريات للجميع، ولا يُطالبوا كما كان يفعل آباؤهم بتدخل الجيش الذي نصّب نفسه حامياً للعلمانية المتسلطة ". قام زعيم حزب العدالة والتنمية بتقديم بعض التنازلات الظاهرية بقوله أنه يوافق على "المطالب الديموقراطية"، ولكن ليس على "التخريب". كما أدان المؤامرة المزعومة من قبل "أولئك الذين لا يستطيعوا تقبّل وصول الحكومات إلى السلطة عبر الصناديق الانتخابية"، ويقصد بذلك النخبة الكمالية القديمة والجيش.
     تظاهر مئات الآلاف في المدن التركية الكبيرة في ربيع عام 2007 تحت إشراف العديد من المنظمات الكمالية. ولكن العدالة استعادت السيطرة، وقامت بحل هذه المنظمات. في ذلك الوقت واليوم أيضاً، يُشارك في المظاهرات الطبقات الوسطى ذات النزعة الغربية والطلاب والعلويون المتمسكون بتيار تقدمي منشق عن المذهب الشيعي، من أجل إدانة الطابع الإسلامي الزاحف. يمثل هذا الغضب حوالي ثلث تركيا تقريباً، ويتركز على "العمامة" والحجاب الإسلامي. إن مسألة الحجاب غير مهمة بالنسبة للشباب في ساحة تقسيم، وهم يخشون من العودة إلى الوراء والتراجع عن الإصلاحات الليبرالية التي قام بها حزب العدالة والتنمية في سنوات حكمه الأولى من أجل السماح لتركيا بالبدء بمفاوضات الإنضمام إلى الاتحاد الأوروبي. أظهر تحقيق أجرته جامعة Gilgi أن 80 % من المتظاهرين يعتبرون أنفسهم كـ "أنصار للحرية المطلقة" قبل أي شيء آخر.
     لا يستطيع أردوغان ولا يريد أن يسمع هذه الحقيقة، على الرغم من محاولة الانفتاح التي قام بها بعض المسؤولين الكبار مثل رئيس الدولة عبد الله غول ونائب رئيس الوزراء بولانت أرينس Bülent Arinç، ولكنهما تراجعا عنها سريعاً. ما زال رئيس الحكومة يُسيطر على جهاز الحزب الذي يعمل على النمط الستاليني. ولكن الحركة تنتشر شيئاً فشيئاً في جميع أنحاء تركيا. هناك رفض لعجرفة وتسلط "السلطان الجديد" الذي يريد تحويل تركيا إلى جمهورية رئاسية لكي يكون أول رئيس تركي يُنتخب باستفتاء عام في خريف عام 2014. بالإضافة إلى غضب الشباب الذين لم يعرفوا سلطة أخرى غير حزب العدالة والتنمية وحكمه الديني المحافظ والخانق شيئاً فشيئاً، هناك أيضاً غضب العلويين الكبير الذين يشعرون بأنهما مُهمشون سياسياً واجتماعياً من قبل دولة حزب العدالة والتنمية.
     انخرط الأكراد في جميع المعارك من أجل الديموقراطية حتى اليوم، ولكنهم تراجعوا هذه المرة، ويراهنون على عملية السلام غير المسبوقة التي بدأها أردوغان بالتفاوض منذ عام 2009 مع زعيم التمرد المسجون عبد الله أوجلان الذي رحّب يوم الجمعة 7 حزيران بـ "حركة مقاومة قريبة جداً منا".
     إن مشاركة العديد من الاتجاهات في حركة تفتقد لزعيم حقيقي ولمطالب مشتركة، يجعل التفاوض صعباً. ولكن رئيس الحكومة لا يمكنه المراهنة على سياسة المطرقة دون المخاطرة بتحطيم كل ما تبقى من سمعته الدولية التي بدأت بالتراجع. أثناء مؤتمر جرى في استانبول يوم الجمعة 7 حزيران، قام المفوض الأوروبي لشؤون توسيع الاتحاد الأوروبي سيتفان فول Stefan Füle بتوجيه تحذير واضح إلى رئيس الحكومة تجاه أي "إفراط في استخدام القوة"، مؤكداً على حق "التظاهر السلمي وحرية الإعلام". أكد رجب طيب أردوغان أمام عشرات الآلاف من أنصاره قائلاً: "قام الشعب بانتخاب حزبنا، والشعب وحده هو الذي يقرر مستقبله".
     إن عدم وجود بديل مازال الورقة الأساسية بيد رئيس الحكومة. أظهرت التجربتان الإسبانية والكندية في كيبيك أن مثل هذه الحركات لا تتحول بسهولة إلى قوة سياسية. بالنسبة لحزب الشعب الجمهوري اليساري المعارض الذي يدّعي أنه وريث مصطفى كمال، فإنه يفتقد للمصداقية وللزعامة. يدعو زعيم حزب العدالة والتنمية أنصاره حالياً إلى التحرك من أجل الانتخابات البلدية عام 2014. إنه يراهن على فساد هذه الحركة، لكي يدعو بعدها إلى انتخابات مبكرة من الممكن أن ينجح حزبه فيها على الرغم من ضعفه. ولكن لن تعود الأمور كما كانت عليه سابقاً.