الصفحات

الثلاثاء، 4 حزيران، 2013

(سورية، في تقسيم مستمر)

صحيفة الليبراسيون 1 حزيران 2013 بقلم مدير مجموعة الدراسات والأبحاث حول البحر المتوسط والشرق الأوسط في جامعة ليون الثانية فابريس بالانش Fabrice Balanche

     تُشبه سورية بعد سنتين من النزاع موزاييكاً من الأراضي المنفصلة. لا يُسيطر النظام إلا على 30 % من المناطق المأهولة التي ما زالت تُمثل نصف عدد السكان، لأن المدن الكبيرة مثل دمشق واللاذقية وحمص وحماة لا تزال تحت قبضته. لم ينجح المتمردون بعد سنة من المعارك الدامية باحتلال حلب بكاملها على الرغم من أنهم استطاعوا عزلها. ما زال جيش النظام يحافظ على سيطرته على دير الزور على الرغم من أن وادي الفرات بأكمله خرج عن سيطرته. يُسيطر المتمردون على منطقة واسعة من الأرياف في الشمال، مع بعض المدن المتوسطة الحجم مثل الرقة والباب وتل أبيض، أي 20 % من السكان. وهناك جزء مساوي على صعيد السكان والمساحة يتنازع عليه المتمردون وقوات النظام.
     فيما يتعلق بالميليشيات الكردية لحزب الاتحاد الديموقراطي، فقد استولوا على الأراضي التي تتواجد فيها أغلبية كردية على الحدود التركية وفي الأحياء الشمالية في حلب، أي 10 % من سكان سورية. ما زال أكراد دمشق تحت سيطرة النظام. هناك قيادة موحدة بالنسبة للحكومة والأكراد، ولكن هذه مثل هذه القيادة الموحدة غير موجودة بالنسبة للمتمردين: إن الجيش السوري الحر غير موجود إلا على الورق عبر واجهته المُتمثلة بهيئة أركانها الموجودة في تركيا. على الصعيد الميداني، لا تخضع المجموعات المسلحة إلى أية سلطة عليا سواء كانت تدّعي انتمائها للجيش السوري الحر أو لا تدعي انتماءها له. تسببت هذه الانقسامات بتفتت الأراضي "المحررة". تُسيطر إحدى الميليشيات على قرية أو حي، ولكن من النادر أن تتجاوز سيطرتها هذا النطاق. لأنها تجد نفسها فوراً في مواجهة مع ميليشيا أخرى مجاورة، وتعتمد وحدتها على العلاقات القبلية والعشائرية. لقد تعززت أشكال التضامن البدائية مع اختفاء المؤسسات وعجز الإئتلاف الوطني السوري عن الحلول مكانها. إن انعدام الأمن مستمر، وازدادت حدته بسبب القصف الجوي من النظام، الأمر الذي يمنع عودة الحياة الطبيعية. إن جهاديي جبهة النصرة أفضل تنظيماً، ويوفرون بعض الأمن في المناطق التي يُسيطرون عليها بشرط خضوع السكان للشريعة المتشددة مثل الرقة. يهرب سكان المناطق المحررة نحو المناطق المجاورة بسبب إنعدام الأمن وتطبيق الشريعة من جهة وقصف جيش الأسد من جهة أخرى. ومن سخرية القدر أنهم يهربون إلى المناطق الواقعة تحت سيطرة النظام.
     تبنى نظام الأسد منذ ربيع عام 2012 إستراتيجية مضادة للتمرد عبر التخلّي عن المناطق المعادية وغير الإستراتيجية، وتركيز جهوده على المدن الكبرى والمحاور الأساسية والأراضي التي تسكنها الأقليات الدينية، ويمكن الاعتماد فيها على الدعم الفعاّل من قبل السكان (العلويين والدروز والشيعة والإسماعليين والمسيحيين). على صعيد المدن الكبرى، يقوم النظام بتطبيق الإستراتيجية نفسها، ولكنه يستطيع الاعتماد هنا أيضاً على الطبقات السنية الوسطى والعليا. اتسع الاستياء السياسي في ربيع عام 2011 ليشمل جميع الفئات الاجتماعية والطوائف، بالمقابل، يقتصر التمرد المسلح على الطبقات السنية الشعبية التي تسكن في الأرياف الفقيرة في وادي الفرات، وتجمعت في الضواحي المخالفة بدمشق وحلب. تحطم هذا التمرد الاجتماعي بشكل خاص على جبهة الطائفية التي يقوم عليها المجتمع السوري، ويُضاف إلى ذلك المطالب القومية الكردية. ينشط أكراد سورية منذ تاريخ تمردهم المُجهض عام 2004 من أجل تشكيل كيان شبيه بكردستان العراق. في هذا السياق، يُفضّل الأكراد بقاء بشار الأسد ضعيفاً بعد أن تخلّى لهم عن إدارة أراضيهم، بدلاً من معارضة عربية سنية قوية وتحظى بدعم تركيا. بهذا المعنى، إنهم حلفاء إستراتيجيون للنظام.

     إن هدف دمشق في عام 2013 هو تدعيم خط قوتها اللاذقية ـ حمص ـ دمشق ـ درعا. يجب عليها من أجل تحقيق ذلك القضاء على معاقل المعارضة الأكثر تهديداً في الغوطة الشرقية والزبداني والقصير. إن انعدام التنسيق داخل التمرد والمنافسة بين المجموعات المتمردة سمح للنظام بسحق المقاتلين في القصير بهدوء، بعد أن حاصرهم خلال عدة أشهر، باعتبار أنهم لم يعد يحصلون على أية مساعدة خارجية. لن يستطيع النظام السيطرة على الشمال ما دامت الحدود التركية والعراقية مفتوحة أمام المتمردين، وسيكتفي بالبقاء في المدن الكبرى والقواعد العسكرية في المنطقة. إذاً، من المتوقع استمرار تقسيم شمال ـ جنوب سورية، وسيُصبح هذا التقسيم دائماً في ظل غياب تسوية دولية للأزمة السورية.