الصفحات

السبت، 8 حزيران، 2013

(سورية: حزب الله يكشف أوراقه)

صحيفة الفيغارو 7 حزيران 2013 بقلم مراسلتها الخاصة في لبنان دولفين مينوي Delphine Minoui

     لا يلفت مركز المراقبة الحدودي في الهرمل (القصر) الانتباه: إنه يقع على سطح أحد البيوت الصغيرة التي لم ينته بناءها في وسط أرض شاسعة وخالية من السكان. رفض مقاتل حزب الله الشيعي اللبناني الإفصاح عن اسمه، ولا توجد أية علامة أو رتبة على ثياب التمويه التي يرتديها. كان يشعر بالارتياح يوم الثلاثاء 4 حزيران، وتحدث عن "تقدم كبير" ضد المتمردين المتمركزين في إحدى القرى الهامة التي تصل بين شمال شرق البقاع ودمشق، وقال: "انتهى العمل تقريباً. سيستعيد الجيش السوري قريباً جداً السيطرة على القصير مع الدعم الذي نقدمه. الانتصار قريب". في صباح اليوم التالي، أعلن الرجل الثاني في حزب الله نعيم قاسم عن هذا الانتصار رسمياً.
     أشار مقاتل حزب الله في مركز القصر الحدودي إلى أنه من هنا مرّ مئات المقاتلين من حزب الله خلال خمسة عشر يوماً من أجل "تطهير مدينة القصير من الإرهابيين"، حسب الكلمات التي استخدمها. بمعنى آخر، ذهبوا لإبادة تمرد يتألف من جنود الجيش السوري الحر، وبعض المدنيين السابقين الذين تحولوا إلى مقاتلين، وعناصر جبهة النصرة السلفيين الذين تخشاهم الأقلية العلوية السورية والشيعة اللبنانييين.
     قال أحد المتعاطفين مع حزب الله من أجل تبرير تدخل الحزب في سورية: "سورية هي العمود الفقري للمقاومة. إذا سقطت سورية، ستختنق المقاومة، وستقوم إسرائيل باجتياح لبنان. لهذا السبب، كان يجب علينا التدخل في القصير لحماية أنفسنا". تتطابق هذه الكلمات تقريباً مع الكلمة التي ألقاها رئيس حزب الله حسن نصر الله بتاريخ 25 أيار، والتي اعترف فيها للمرة الأولى بوجود مقاتليه على الأرض السورية. تابع هذا الرجل كلامه قائلاً: "عندما بدأ التمرد في سورية ضد بشار قبل سنتين، لم نقل شيئاً. سمحنا بإحراق أعلام حزب الله في درعا، وتجاهلنا سيارات الإسعاف للهلال الأحمر التي كانت تحمل المقاتلين المعادين للنظام إلى الأراضي اللبنانية. ولكن بعد سيطرة المتمردين على القصير، شعرنا بالخطر. إن القصير محور إستراتيجي، ويجب الحفاظ بأي ثمن على طريق الإمدادات (أي الأسلحة التي ترسلها إيران عبر سورية)".
     قال أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأمريكية في بيروت عماد سلامي: "تم اعتبار تدخل حزب الله على أنه حرب وقائية، بسبب الخوف من أن يتحول السقوط المحتمل لنظام دمشق إلى خطر يُهدد المقاومة". ولكنه اعتبر أن حزب الله يُنفذ أوامر طهران قبل أي شيء آخر، وقال: "تسعى طهران إلى فرض نفسها على طاولة الحوار حول سورية الغد عن طريق توريط حزب الله في سورية". يتوافق هذا الكلام مع ما قاله أحد مؤسسي حزب الله الشيخ صبحي الطفيلي الذي قال مؤخراً إلى محطة PBS الأمريكية: "تلقى حزب الله الأوامر بالدفاع عن النظام. يعرف الحزب أنه قرار خاطىء، وأن ذلك يُهدد بالقضاء عليه. يجب عليه قبول القرار الإيراني على الرغم من كل شيء. للأسف، نحن نسير نحو حرب سنية ـ شيعية خطيرة".
     بدأت تتزايد في منطقة الهرمل صور مقاتلي حزب الله الذين ماتوا في معركة القصير. ما زال عددهم سراً، خوفاً من الكشف عن أي مؤشر لضعف حزب الله. هناك أيضاً الضحايا المدنيين الذين سقطوا تحت قذائف غراد التي أطلقها المتمردون السنة من الأراضي السورية. ولكن السكان في الهرمل يقولون أن بعض القذائف الصاروخية تم إطلاقها من قرية عرسال السنية وليس من سورية. بدأ الخوف يظهر جلياً من انتقال عدوى الحرب السورية.
     قالت سمر التي انتقلت من الهرمل إلى بيروت بشكل مؤقت خوفاً من إشتعال الحرب في منطقتها: "هل كان حزب الله بحاجة حقاً إلى التدخل في سورية؟ المقاومة قوية! ألا يوجد تناقض صارخ بين إرادة الدفاع عن القضية الفلسطينية ودعم نظام مُستبد يقتل شعبه؟ أكثر من ثمانين ألف قتيل في سنتين، إنه أكبر بكثير من كل الفظاعات التي ارتكبتها إسرائيل ضد الفلسطينيين".

     سقطت يوم الأربعاء 5 حزيران عدة قذائف صاروخية على بعلبك انطلاقاً من الأراضي السورية. كان رئيس الجيش السوري الحر سليم إدريس قد وعد يوم الثلاثاء 4 حزيران بالرد على حزب الله داخل أراضيه بعد سقوط القصير، وقال إلى محطة BBC: "اجتاح مقاتلو حزب الله الأرض السورية. ونظراً لاستمرارهم بذلك بدون أن تتخذ السلطات اللبنانية الإجراءات اللازمة لمنعهم، أعتقد أنه يحق لنا قتال رجال حزب الله في الأرض اللبنانية". لم يُثبط هذا الكلام من عزيمة مقاتلي حزب الله، وحضهم على المزيد من "المقاومة". قال أحد أحد قادة حزب الله عندما إلتقيناه على طريق الهرمل: "لا مجال للتراجع أمام أكلة لحوم البشر. بعد القصير، هناك حلب ودمشق!"