الصفحات

الثلاثاء، 11 حزيران، 2013

(سورية: الوادي الذي يلجأ إليه المسيحيون المؤيدون للأسد)

صحيفة الفيغارو 11 حزيران 2013 بقلم مراسلها الخاص في مرمريتا جورج مالبرونو Georges Malbruont

     قام هيثم (55 عاماً) بإرسال زوجته وابنه (24 عاماً) إلى وادي النصارى دون أي تفسير. لقد تعرض لإطلاق النار ثلاث مرات: الأولى عندما كان خارجاً من مكتبه في دمشق، والثانية على طريق ضاحية حرستا التي يُسيطر عليها المتمردون، والأخيرة قبل ثمانية أشهر بالقرب من منزله في حي المالكي. يعمل هيثم كمسؤول في الصناعات النفطية، ولجأ إلى مرمريتا (7000 نسمة) الواقعة في وادي النصارى بين حمص والساحل. لجأ آلاف المسيحيين من جميع أنحاء سورية إلى هذه المنطقة هرباً من المعارك، قال هيثم مسروراً وهو يدخن الأركيلة في أحد المطاعم المكشوفة: "هنا، نحن في أمان كامل. سيكون المتمردون مجانيناً إلى جاؤوا إلى هنا".
     تبلغ مساحة وادي النصارى أربعين كيلومتراً، وهو عالم مختلف كلياً. لا تعيش أية عائلة مسلمة في هذا الوادي، ولا يتذكر المسيحيون أن أحدهم تهور وباع أية قطعة أرض إلى المسلمين السنة الموجودين في قريتين بجانب وادي النصارى. يمكن الوصول إلى هذه المنطقة عبر الطريق الذي يصل بين حمص والساحل الذي تسكنه أغلبية علوية. بعد عبور حاجز الجيش، تتالى حوالي خمسين قرية على طول الطريق الضيق والمتعرج على الهضاب الخضراء المليئة بأشجار الزيتون.
     كان يعيش حوالي ثمانين ألف مسيحي في وادي النصارى في بداية الأزمة، أغلبهم من الأورثوذوكس. عندما أخذت الحرب منحى طائفي واضح، دخل ثمانين ألف مسيحي آخر إلى هذا الملجأ الآمن بالقرب من قلعة الحصن التي يعود تاريخها إلى عصر الصليبيين. يُسيطر حوالي 200 أو 300 متمرد، بينهم بعض الجهاديين الأجانب، على هذه القلعة. هذا هو التهديد الرئيسي بالنسبة لمسيحيي الوادي الذين أغلقوا الطريق المؤدي إلى القلعة.
     تراجعت وتيرة الحوادث منذ قيام المسيحيين بتشكيل لجان الدفاع الشعبية بالتنسيق مع السلطة. أكد رئيس بلدية مرمريتا طانيوس إسحاق قائلاً: "كان المتمردون في السابق يطلقون النار غالباً على السيارات التي تمر في أسفل القلعة، وقتلوا أحد الأشخاص بعد خطفه". يتعرض الآن "الإرهابيون"، كما يُطلق هنا على المعارضين المسلحين، للحصار من قبل 800 رجل من ميليشيات وادي النصارى بعد أن حصلوا على السلاح. كما هو الحال بالنسبة لبقية القرى، تم تعليق صور "شهداء" مرمريتا ـ ثلاثة مدنيين وثلاثة عسكريين ـ في الشوارع. أظهر داني عدنان الحنا صورة ابنه على هاتفه الجوال. كان ابنه عيسى (32 عاماً) يعمل شرطياً في جديدة عرطوز بالقرب من دمشق، وقُتِل عندما كان خارجاً من منزله في بداية عام 2012. قال والده: "قام حوالي 12 إرهابياً بإطلاق النار في ظهره أمام زوجته وأطفاله، ثم ألقوا جثته على الطريق بعد عدة كيلومترات".
     عدنان هو عسكري متقاعد، وما زال لديه ولدان في لجنة الدفاع عن مرمريتا. لم يُفصح رئيس هذه اللجنة عن اسمه، إنه رجل شاب ونشيط، بخدود حمراء ولحية خفيفة. يوجد على مكتبه الكثير من الهواتف الجوالة، وعلّق على الحائط صورتي بشار ووالده حافظ وصورة ثالثة غير مُنتظرة للشيخ حسن نصر الله رئيس حزب الله الذي ساعد الجيش مؤخراً في طرد المتمردين من القصير الواقعة على مسافة خمسين كيلومتراً جنوب مرمريتا. قال رئيس الميليشيا المؤيدة للأسد: "هنا، يحمي نصر الله المسيحيين. بينما تحمي فرنسا الإرهابيين، وهي مستعدة لإعطائهم السلاح لكي يستخدمونه ضدنا". يُسمع هذا الانتقاد كثيراً في هذه القرية التي تبقى شوارعها مُزدحمة حتى ساعة متأخرة مساءاً.
     ترتدي الفتيات بناطيل الجينز والثياب الضيقة، ويجلسن في قهوة فيغو Vigo التي تُشبه المقاهي الحديثة في بيروت. تقرأ بعضهن على اللوحات الإلكترونية، أو تُدخن الأركيلة بشفاه مطلية بالماكياج. إنه مكان بعيد جداً عن الجهاديين الذين يُشاركون في الثورة على مسافة عدة كيلومترات من هذا المكان. قالت إحدى الفتيات: "هل تعتقدون بأننا نرغب بأن تكون سورية بلداً إسلامياً؟".
     قال رئيس البلدية: "إنها مسألة حياة أو موت بالنسبة لنا. إذا استطاع السلفيون السيطرة على سورية يوماً ما، لن ينجو أي مسيحي،وسيطردوننا من الوادي". إن أغلب سكان الوادي مُقتنعون بأن بلدهم "مُحتل من قبل قوى خارجية تُرسل المقاتلين". ينتقد السكان هنا القادة المسيحيين في المعارضة الخارجية الذين "لا يُمثلون إلا أنفسهم وأطفالهم". قال هيثم: "كانت سورية ستنقسم مثلما حصل في العراق بعد عام 2003 لولا وجود الجيش". كان ابنه إبراهيم يدرس في ألمانيا في بداية الثورة، قال والده هيثم: "كان ابني يتحدث دوماً عن الديموقراطية والحرية، وكان يعتبر أن بشار دكتاتور". ثم في نهاية عام 2011، عاد إبراهيم إلى سورية، وشاهد أن "الأمور كانت أكثر تعقيداً".

     إن أفلام الفيديو الذي أظهرت بعض الجهاديين وهم يمارسون عمليات الذبح، دفعت البعض إلى التفكير. لا يشعر سكان جبال وادي النصارى بالقلق، وهم متأكدون من الدعم الذي يحصلون عليه. تستعد حفنة منهم بعد استعادة القصير للعودة إلى منازلهم في قرية ربلة التي كانت معقلاً للمتمردين. لا يخشى السكان في مرمريتا من التذكير بأن بشار كان يمضي إجازته في هذه القرية عندما كان في سن المراهقة. وأسرّ البعض أن القرية ساعدت مقاتلي حزب الله قبل معركة القصير التي ربما شارك فيها بعض العناصر الأكثر شجاعة في ميليشيات مرمريتا. إنه رهان خطير بالنسبة لمسيحيي الوادي في حال تغيّر الوضع نحو الأسوأ.