الصفحات

الخميس، 6 حزيران، 2013

(في سورية، النظام يستعيد السيطرة على الأرض)

صحيفة الليبراسيون 6 حزيران 2013 بقلم جان بيير بيران Jean-Pierre Perrin

     في شهر كانون الأول الماضي، أشار غيرهارد شيندلر Gerhard Schindler، مدير الاستخبارات الألمانية (Bundesnachrichtendienst)، إلى أن نظام بشار الأسد يقترب من "مرحلته النهائية"، وأنه ربما سينهار هذا العام. وفي الفترة نفسها تقريباً، أشار السفير الأمريكي السابق في سورية روبيرت فورد الذي يعتبره أقرانه بأنه "أفضل مُستعرب في وزارة الخارجية الأمريكية"، إلى أن حكم بشار الأسد سينتهي قريباً، وربما قبل عيد الميلاد. هناك عدة أسباب لهذه الهزيمة المُعلنة مثل: التقدم الملموس للمعارضة على الأرض، والتنسيق  الجيد بين المتمردين من جهة. وضعف تموين القوات النظامية بالسلاح والذخيرة والوقود وتزايد الانشقاقات في صفوف الضباط بشكل خاص من جهة أخرى.
     أعلنت الاستخبارات الألمانية عن تحليل آخر مختلف جداً عن تحليلها الأول بعد مرور خمسة أشهر، وأشارت إلى أن النظام يُحقق الانتصارات العسكرية، وأن المعارضة في وضع صعب. يؤيد العديد من المراقبين هذه الملاحظة التي ستؤثر على المؤتمر الدولي المُحتمل جنيف 2 الذي تسعى روسيا والدول الغربية إلى انعقاده. هناك خمسة أسباب رئيسية تُفسّر هذا التغيّر.
1 ـ دخول حزب الله. استطاع النظام استعادة الأراضي التي خسرها على طول الحدود اللبنانية مثل مدينة القصير بفضل قيام الميليشيا الشيعية اللبنانية بإرسال أعداد كبيرة من المقاتلين المُدرّبين والمسلّحين والمنضبطين بشكل جيد، والمستعدين للقتال حتى الرمق الأخير. أدى تدخلهم إلى إغلاق الحدود بمساعدة الكتائب الشيعية في الجيش اللبناني، وبالتالي منع وصول التموين إلى المتمردين. لقد استطاع الجيش استعادة السيطرة على حمص بسبب التراجع الكبير في كميات الأسلحة التي تصل إلى المتمردين من طرابلس وعكار. بالإضافة إلى دعم حزب الله، هناك أيضاً الدعم السرّي  الذي تُقدمه طهران. قال دبلوماسي أوروبي: "يوجد الآن ضباط إيرانيون يعملون في القيادات العامة للجيش السوري". وهناك أيضاً الأموال التي تُقدمها طهران، يُقدّر الخبراء حجم هذه الأموال بـ 12 مليار دولار منذ بداية الأزمة. سمحت هذه الأموال بشراء المعدات الروسية بشكل خاص. أعلنت طهران مؤخراً عن فتح خطوط اعتماد بمبلغ أربعة مليارات دولار لصالح دمشق. أكد الباحث السياسي الإيراني أحمد سلاماتيان Ahmad Salamatian قائلاً: "إنه نزيف مالي حقيقي بالنسبة لإيران".
2 ـ قيام دمشق بتغيير إستراتيجيتها. كانت دمشق مشلولة خلال عام 2011 بسبب خوفها من تكرار ما حصل في ليبيا، أي الخشية من التدخل الغربي. لم يعد هذا التدخل مطروحاً، وهذا هو السبب في تغيير الإستراتيجية منذ الصيف الماضي أي: الانطواء على سورية المفيدة والمدن الكبرى مثل دمشق واللاذقية وحمص وحماة... التي يمكن للسلطة أن تعتمد فيها على بعض سكانها، لأن 30 % من السكان العاملين في سورية يعملون بالإدارات الحكومية. بالمقابل، يُلاحظ أن السلطة تخلّت عن مساحات كبيرة من الأراضي للمعارضة (حوالي 60 ـ 70 % من البلد) مع المحافظة على بعض القواعد فيها، حتى ولو كانت محاصرة، بشكل يسمح لها بإمكانية القصف والمحافظة على قدرتها بإلحاق الضرر. العنصر الثاني في هذه الإستراتيجية هو العمل على أن تتجمع القوات المتمردة في بعض المدن مثل القصير من أجل محاصرتها وسحقها. بشكل موازي، تعمل القوات الحكومية على قطع خطوط التموين وإخلاء الجرحى.
3 ـ انقسام المعارضة. تفاقمت الانقسامات داخل المعارضة خلال الاجتماع الأخير للإئتلاف الوطني السوري في استانبول، مما أثار اليأس لدى الناشطين والمتمردين على الأرض. مارست السعودية وقطر ضغوطاً كبير خلال اجتماع استانبول من أجل التوصل إلى تسوية اللحظة الأخيرة. ولكن هذه الفجوة لا تتعلق فقط بالمعارضة في الخارج، فقد استمرت الفجوة بالاتساع بين المعارضة في الخارج وبين الجيش السوري الحر الذي يتهم معارضي استانبول بأنهم "مُنفصلين عن حقائق الأرض"، وأنهم لم يُزودونه بالمساعدة التي يحتاجها. لقد حمل الناشطون لافتات تتهم الإئتلاف بأنه "جزء من المشكلة"خلال إحدى المظاهرات التي جرت في قرية كفرنبل مؤخراً. كما توجد خلافات متكررة بين المجموعات المسلحة التي يبلغ عدد مقاتليها حوالي مئتي ألف متمرد. أشارت أجهزة الاستخبارات الألمانية إلى وجود مواجهات بين الفصائل المتمردة في المناطق التي تتنافس عليها. كما تفاقمت الانقسامات مع وصول الجهاديين.
4 ـ القاعدة الشعبية للنظام. قامت السلطة السورية بتطوير إيديولوجية تتوافق مع المجتمع بعكس مصر وتونس. ما زالت الهياكل الموروثة من حزب البعث تعمل داخل المجتمع، على الرغم من الصعوبات التي واجهها الحزب منذ وصول بشار الأسد إلى السلطة عام 2000، وهذا هو سبب الارتباط به. قال الباحث فابريس بالانش Fabrice Balanche: "لو أن التمرد تأخر عشر سنوات، فإن النظام كان سيخسر قاعدته. ولكن في اللحظة التي بدأ فيها التمرد، كان جميع شبكات الأمان الاجتماعي ما زالت تعمل. وهكذا، استفاد الفلاحون من القروض الحكومية لشراء السماد والبذور عبر اتحاد الفلاحين والمصرف الزراعي. هناك سياسة حكومية تعمل بشكل فعلي على الرغم من الفساد".
5 ـ الرفض الأمريكي بالانخراط. قدّمت موسكو وطهران دعماً كبيراً وواضحاً للنظام، أما واشنطن فقد تهرّبت من الأزمة. وهذا ما شاهدناه مؤخراً عبر الحذر الأمريكي بخصوص الأسلحة الكيميائية. أدى ذلك إلى وقوف النخبة الحاكمة صفاً واحداً وراء زعيمها الذي يحظى بدعم قوتين كبيرتين. أما المعارضة فلا يمكنها الاعتماد على أي دعم عملياتي من قوة عظمى، وبالتالي، لم تنجح المعارضة في جذب الآخرين.    
     إن موقف الأسد حالياً أقل صعوبة بكثير بالمقارنة مع موقفه قبل عدة أشهر. لم ينجح المتمردون حتى اليوم بالسيطرة على أية عاصمة واحدة من عواصم المحافظات السورية باستثناء الرقة. للمقارنة، استطاع صدام حسين البقاء بعد خسارة 15 محافظة من أصل 18 محافظة في العراق بعد التمرد الشيعي والكردي عام 1991. ولكن الدكتاتور السوري لا يملك القوات الكافية لاستعادة السيطرة على جميع الأراضي التي خسرها، حتى ولو حقق بعض التقدم حالياً. قال بيتر هارلنغ Peter Harling الذي يتابع الأزمة السورية لصالح مجموعة الأزمات الدولية: "في هذه المرحلة، لا يستطيع النظام استعادة السيطرة، ولا تحقيق المصالحة، ولا القيام بالإصلاحات، ولا حتى إعادة البناء". إذاً، ترتسم ملامح التقسيم الفعلي لسورية، مع احتمال استمرار الحرب لسنوات طويلة، كما حصل في الحرب اللبنانية بين عامي 1975 ـ 1991. كيف يمكن إنهاء هذا الوضع؟ بالتأكيد، لن يستطيع مؤتمر جنيف 2 تحقيق بذلك، لأنه يبدو أنه لا يمكن المصالحة بين أهداف هذا الطرف أو ذاك. وحسب  تعبير أحد الدبلوماسيين: "إنه تعب الموت"