الصفحات

الجمعة، 14 حزيران، 2013

("بطة مسجونة" في سورية)

مجلة اللوبوان الأسبوعية 13 حزيران 2013 بقلم مراسلتها الخاصة في كفر نبل ماري كوسترز Marie Kostrz. عنوان المقال هو إشارة إلى الصحيفة الفرنسية الساخرة بالعنوان نفسه: "Canard enchaîné"

     تعيش كفر نبل أياماً مضطربة. كان الجو متوتراً داخل المجلس الجديد المُكلف بإدارة هذه المدينة المُحررة في شمال غرب سورية، وكاد المشاركون يتعاركون بالأيدي. قامت صحيفة جديدة ساخرة في المدينة بنشر كاريكاتور يُمثل هذه المشاحنة. إنها صحيفة "الغربال" التي تأسست في شهر كانون الثاني، وأصبحت وسيلة لإثارة الغضب في كفر نبل. قام بتأسيسها محمد سلوم الذي قال مسروراً: "الآن وبعد أن غادر النظام، يجب أن نعتاد على سماع الآراء المختلفة". لأنه إذا كان من الصعب إدارة مدينة بعد ثلاثين عاماً من الدكتاتورية، فإن حرية الصحافة الناشئة لم تدخل في عقول الناس.
     كانت كفر نبل قبل سنتين مدينة ريفية مثل بقية المدن. ولكن الثورة عام 2011 جعلتها في مرتبة الأيقونة، وأصبحت مشهورة في كافة أنحاء سورية عبر مشاركتها القوية في التمرد الشعبي. قام الجيش السوري الحر بطرد قوات النظام من المدينة في شهر آب 2012، ولكن بناء الديموقراطية أمر صعب. قام أنصار الثورة المتحمسون بأخذ مكان المسؤولين المحليين السابقين، وقاموا بإدارة الخدمات في المدينة. ما زالوا حديثي العهد في ممارسة السلطة، وينقصهم الكثير من التنظيم. يشعر السكان بالاستياء، ويُعارضون مراراً المجلس الجديد الذي يقوم بإدارة كفر نبل، ويتعارك الناشطون فيما بينهم.
     نشأت فكرة تأسيس الصحيفة لدى محمد سلوم من خلال مراقبة الحياة المتقلبة في المدن المحررة. أكد محمد سلوم الذي يبلغ عمره حوالي ثلاثين عاماً: "نحن جميعاً مع الثورة، ولكن لا يجب أن نمنع أنفسنا من انتقادها". إن الحياة في كفر نبل المحررة ليست سهلة: هناك التنافس بين مختلف كتائب الجيش السوري الحر، وصعود الإسلام الرادكالي، وانقطاع التيار الكهربائي. يُعبّر اسم الصحيفة عن هذا السعي نحو الموضوعية، والغربال هو وسيلة لفصل الحبوب الجيدة عن السيئة. كان محمد سلوم يأمل بإنهاء رسالة الدكتوراه في اللغات بعد الخدمة العسكرية، ولكن ذلك كان قبل بداية الثورة، وقبل أن يُطفىء عطشه للحرية هذا الحلم: لقد عرف بأن الجامعة طردته بعد انشقاقه. إن صحيفة الغربال هي انتقامه وكفاحه من أجل حرية التعبير.
     تصدر هذه الصحيفة كل أسبوعين، وتتضمن ثماني صفحات من المقالات والصور والرسوم التي تحكي أحداث كفر نبل. إذا كانت الصحيفة مستمرة في انتقاد النظام، فإنها لا تُجامل إطلاقاً أطراف الثورة. إن آخر مقالاتها الساخرة كان عبارة عن دليل موجه إلى الرجال الراغبين في تأسيس كتيبة. يُخفي هذا المقال الساخر إدانة لتكاثر المجموعات المقاتلة وتنظيمها الفوضوي.
     إن الطابع الساخر لهذه الصحيفة هو ظاهرة بحد ذاتها: إن هذا النوع الأدبي جديد في سورية. يعترف محمد سلوم بأن الدُعابة هي وسيلة لحماية نفسه: إن أغلب سكان كفر نبل لا يقبلون أن يكونوا هدفاً لحرية التعبير، وقال متأسفاً: "نواجه أحياناً بعض المشاكل مع الناس الذين ننتقدهم". ظهر مقال حول مقتل شاب أغرى بنت رئيس إحدى كتائب الجيش السوري الحر، وكاد هذا المقال أن يتسبب بمشاكل جدّية. قال محمد سلوم: "سألني المقاتلون لماذا لم أعرض عليهم المقال قبل نشره".
     هناك العديد من الذين ينتقدون صحيفة الغربال دون أن يصل الأمر إلى حد التهديد، ومنهم يوسف الذي قال: "إن الذين يكتبون في هذه الصحيفة هم مثيرون للشغب. هل يساهم انتقاد الناس في تحسين الوضع؟". أكد محمد سلوم أن صحيفته تتضمن أيضاً تحقيقات دقيقة، ولا تكتف بالإدانة المجانية. على سبيل الحرص، تلجأ صحيفة الغربال إلى خدمات أحد المحامين. لقد تم تأسيس محكمة جديدة في المدينة بعد رحيل النظام، وتم رفع دعوى ضد الصحيفة.
     أعطى هذا التصميم ثماره على الرغم من بعض المضايقات. يتزايد عدد قراء صحيفة الغربال بشكل مستمر، ويتم توزيع 1200 نسخة كل أسبوعين مقابل 200 نسخة للعدد الأول. قال محمد سلوم: "يوجد الآن تسع نقاط للتوزيع في كفر نبل. يقترح عليّ المارون أفكاراً للمقالات، ويقول لي البعض الآخر أنهم مُتلهفون لقراءة العدد القادم". اتسعت هيئة تحرير الصحيفة، وأصبحت تتألف من صحفيين اثنين ورسّامة ومصمم ومصور.
     لكي يستمر هذا الحلم، أصبح محمد سلوم خبيراً في فن تدبير الأمور. يوجد في منزله طاولة عليها حاسوب محصور بين السرير وخزانة الصحون. إن غرفة التحرير فريدة من نوعها، قال محمد سلوم متأسفاً: "المكان صغير هنا". هناك آلة طباعة حديثة وآلات تصوير متراكمة على الرفوف. يتلقى الصحفي منذ شهر آذار دعماً مالياً من جمعية (بسمة) Basma التي يقوم بتمويلها تحالف أصدقاء سورية من الدول التي تسعى إلى حل الأزمة، وتساعد وسائل الإعلام السورية الجديدة على ممارسة المهنة بشكل حرفي. قال مسؤول المشاريع الصحفية علاء الرشيدي: "إنها تُحاول إعطاء معلومات محايدة، وهذا أمر نادر". تغيّرت هذه الصحيفة شيئاً فشيئاً: كانت تصدر سابقاً بالأبيض والأسود، وأصبحت الآن تصدر بالألوان. تقوم جمعية (بسمة) بدعم أعضاء الصحيفة أيضاً، قال علاء الرشيدي: "لم يدرس أي منهم الصحافة. يجب أن يحصلوا على مبادىء المهنة وتحسين معرفتهم بها". يحمل محمد باشا آلة التصوير معه بشكل دائم، كان يقوم بإصلاح الهواتف الجوالة قبل الثورة، وبعد أن أصبح مصور صحيفة الغربال، قام باتباع دورة تدريبية لمدة أسبوع في تركيا. قال محمد باشا: "تعلمت حماية مصادري، وتلقيت دروساً حول الصورة. كان أمراً رائعاً أن ألتقي بصحفيين من مناطق آخرى بسورية".
     ظهرت حوالي عشرين صحيفة في سورية منذ بداية الثورة، سواء في المناطق الخاضعة تحت سيطرة النظام أو المتمردين. بالنسبة لصحيفة الغربال وجمعية (بسمة)، تهدف وسائل الإعلام إلى الحفاظ على وحدة سورية المهددة بسبب التوترات الطائفية. تنشر صحيفة الغربال بعض مقالات صحيفة (الدولة) المؤيدة للثورة في مدينة السويداء التي تسكنها أقلية درزية لم تُشارك كثيراً في الثورة. تعتبر بقية المدن السورية أن سكان السويداء مؤيدون للأسد، قال محمد سلوم: "نُظهر أنه يوجد أيضاً بعض  الأشخاص الذين ينتقدون النظام هناك، وأنه لا يجب الوقوع في فخ الحقد الطائفي".