الصفحات

الأحد، 2 حزيران، 2013

(إلى حدود النزاع)

صحيفة اللوموند بتاريخ 1 حزيرن 2013 بقلم مراسليها الخاصين في جوبر جان فيليب ريمي Jean-Philippe Rémy ولوران فان دير ستوكت Laurent Van der Stockt اللذان دخلا إلى سورية وبقيا لمدة شهرين مع المتمردين في دمشق والمناطق المحيطة بها (الحلقة الخامسة والأخيرة)

     تبدأ أولى مواقع حزب الله بعد أقل من كيلومتر واحد من سلسلة جبال لبنان الشرقية. يستعد التمرد السوري في هذه المنطقة لوصول حزب الله منذ فصل الشتاء. قال أحد المقاتلين: "نلمحهم كل يوم تقريباً. أخشى أن يتسللوا في إحدى الليالي دون أن ننتبه لوصولهم". قال قائد المجموعة أسامة نداف: "يقوم حزب الله بتعزيز مواقعه على الجانب الآخر من الحدود منذ عدة أشهر. وقعت بعض المناوشات البسيطة. ولكن معلوماتنا تُشير إلى أنهم ينوون فتح جبهة ثانية هنا للتخفيف عن قوات بشار الأسد في دمشق. أمضى حزب الله فصل الشتاء بالاستعداد".
      إن أغلبية القرى سنية في الجانب السوري من هذه الجبال، وأغلبها شيعي في الجانب اللبناني. يتسلل المهربون بين الجانبين، ويستغلون الخلافات الطائفية والجيوسياسية الإقليمية بينهما. تبعد دمشق عن هذا المكان أربعين كيلومتراً. يوجد في أسفل الوادي المفزرة الجبلية التابعة للجيش السوري الحر في قرية عسال الورد التي كانت مشهورة سابقاً بزراعة وردة دمشق. كان القادة العسكريون للمجموعات المتمردة يستمعون إلى رأي رئيس المجلس المحلي حول الوضع: "جلب حزب الله قوات جديدة، وبنى قواعداً جديدة. هناك أربعة أو خمسة ألاف رجل لدعم عملية هجوم. بالتأكيد، نحن أيضاً لدينا أسلحة، ونحن ننتظرهم". قال رئيس المجلس المحلي ذلك مبتسماً بعد أن وضع سيارته الجميلة الزرقاء الغامقة رباعية الدفاع من طراز BMW أمام باب المنزل، ثم أضاف: "ولكن أسلحتنا لا تعادل شيئاً بالمقارنة مع أسلحة حزب الله".
     ولكن من أين تأتي الأسلحة؟ من لبنان بالتأكيد! قال مسؤول المجلس المحلي: "إن أفضل الأسلحة هي التي تصلنا من وليد جنبلاط وسمير جعجع. ونشتري أحياناً السلاح من السوق السوداء... ومن حزب الله"، وأضاف أنه كان يتمنى أن تقوم  الدول الغربية بمساعدة الجيش السوري الحر عن طريق إرسال المعدات العسكرية، لكي يستطيع الحفاظ على هذه الجبال، وقال: "أنتم الأوروبيين حاربتم من أجل الحرية. جاء دورنا الآن لندفع الثمن. بشار هو هتلر سورية. إذا لم تساعدونا بالأسلحة، سنكون مجبرين على الجوء إلى المتطرفين".
     استمر النقاش لاحقاً في منزل شيخ القرية الذي يُمثل السلطة الحقيقية في السلطة، ويحظى باحترام الجميع الذين ينحنون لتقبيل يده. لديه 27 طفلاً تتداخل أسماءهم أحياناً في ذاكرته، ولكنه يتمتع بقدرة كبيرة على القيام بالصفقات. كان بين الحاضرين طيار سابق من القرية المجاورة، لقد انشق قبل عدة أشهر لأنه لا يريد قصف القرى السورية "بسبب النساء والأطفال داخل المنازل". حاول هذا الطيار إحصاء عدد القواعد الجوية العسكرية في سورية ابتداءاً من قاعدة السويداء التي كان يعمل بها، وهرب منها للانضمام إلى التمرد. توقف عند الرقم 15، ثم قال: "في الحقيقة، من المستحيل معرفة عدد الطائرات والطائرات المروحية، لأنه لا أحد يعرف جميع التفاصيل". ثم أعطى الخاتم الذي كان يحمله شقيقه قبل اعتقاله من الشرطة السرية، واعترف فجأة باسمه: جلال. ثم قال: "قولوا للعالم أجمع أننا يائسون، وأنه يجب مساعدتنا بأي ثمن، وأنه لا علاقة لنا بتنظيم القاعدة. لن نترك الأجانب يفرضون قانونهم هنا، ما دام ذلك ممكناً. إن ذلك ليس من عاداتنا".
     في قرية حوش عرب الواقعة على جبل آخر، كان هناك رجل ينظر إلى الوادي المقابل من نافذة الفيلا التي يسكنها. يقول قائد الكتيبة المحلية أبو قصي أنه صاحب أطول لحية في المنطقة. أراد أبو قصي أن يُرينا شيئاً هاماً، واصطحبنا ليلاً إلى كراجه لنشاهد سيارة بيك آب مع رشاش دوشكا Douchka عيار 12.7 ملم في معقدها الخلفي. لم تقع معارك شرسة للسيطرة على هذه المنطقة القريبة من دمشق، قال أبو قصي: "هاجمنا حواجز التفتيش وبعض الثكنات الصغيرة، وفجأة، هرب الجميع". لم يمنع ذلك من تعرّض القرية إلى قصف منتظم. اتجهنا نحو مصدر هذا القصف في السيارة دون إشعال الضوء.
     من أجل فهم بعض الآليات الأساسية في المنطقة، يجب الذهاب إلى قمة الجبل الصخرية بالقرب من حوش عرب، ومشاهدة منظر بانورامي رائع. نشاهد في الجهة المقابلة خمس بقع ضوئية كبيرة تُمثل قواعد عسكرية للجيش السوري. إنها تُعطي فكرة حول المصاعب التي يواجهها الجيش السوري الحر للهجوم على دمشق. يعتبر المتمردون أن هذه القواعد مع خمسة ألوية تضم مئات الدبابات (من أصل 1500 دبابة يملكها الجيش النظامي) والكثير من المدافع من جميع العيارات، تستخدم المدافع والصواريخ والقذائف الصاروخية للإطلاق نحو الأعلى باتجاه حوش عرب، ونحو الأسفل باتجاه المتمردين في منطقة الغوطة حتى أبواب دمشق. إن تضاريس الأرض تحمي هذه القواعد من قذائف الهاون. إذا نظرنا إلى أبعد من هذه القواعد، نشاهد أضواء دمشق وأضواء طريق المطار. كما لو أن الجغرافيا هي ثمرة عمل إستراتيجي عبقري للدفاع عن دمشق.
     تقوم بعض هذه القواعد مثل قاعدة القطيفة بإطلاق الصواريخ ولاسيما صواريخ سكود باتجاه المدن الأخرى في سورية حتى دير الزور وحلب. قال أبو قصي: "عندما أطلق صدام صواريخ سكود باتجاه إسرائيل، اتهمته الدول الغربية بأنه أكبر مجرم. يفعل بشار ذلك يومياً ضد السوريين، وهناك انطباع بأن الجميع يجد ذلك أمراً طبيعياً". ما زالت هذه القواعد بعيدة من متناول أيدي المتمردين. يجب عبور حوالي عشرة كيلومترات في أرض منبسطة من أجل الوصول إليها. الأمر الذي يمنع توغل المجموعات الصغيرة للجيش السوري الحر التي تمشي ليلاً على أطراف أصابعها على بعد عشرات الأمتار من المواقع الحكومية لربط مرتفعات جبل لبنان الشرقية بالضواحي الشمالية للعاصمة، ولاسيما برزة ورنكوس. ولكن هذه الأرض المكشوفة منعت القيام بهجمات كبيرة، لأنه من المحتمل جداً أن تقضي المدافع الحكومية على وحدات الجيش السوري الحر قبل وصولها إلى جدران هذه القواعد وأسلاكها الشائكة. قال أبو قصي: "إذا أردتم مساعدتنا، يجب العمل هنا عبر إعطائنا الوسائل اللازمة لمهاجمة هذه القواعد. هناك ثلاثة خطوط دفاعية متتالية حول دمشق، لن يكون هناك أي تقدم إذا لم يتم تدميرها".
     في الوقت الذي يراوح فيه الوضع العسكري بمكانه في الغوطة شرق دمشق، فكّر بعض مسؤولي التمرد بمقاربات جديدة في محاولة لتغيير هذا الخط الدفاعي. كم من الوقت يحتاج تنفيذ مثل هذا التغيير في التكتيك؟ لا يفكر جميع القادة إلا بهاجس واحد: الحصول على أسلحة بعيدة المدى لكي لا يرسلوا رجالهم إلى المذبحة. هل يمكن التعويض عن هذا النقص بالمعدات عبر مناورات للحصار أو بهجمات مفاجئة؟
     بانتظار معرفة فيما إذا كان من الممكن تعويض نقص الأسلحة بالخدع  التكتيكية، تستعد وحدات القلمون لحرب طويلة. تضم هذه المنطقة الواسعة وشبه الفارغة معسكرات للتدريب أيضاً. من الممكن زيارة بعضها بشرط الذهاب إلى العنوان الصحيح. عندما وصلنا إلى مزرعة لم تكن تلك التي نبحث عنها، وجدنا رجل يقوم بإعداد آلة لقطع الخشب، فنصحنا بالخروج بأسرع ما يمكن. لقد قدّم نفسه كـ "سلفي تونسي"، ولم يكن ينوي إطلاقاً فتح أبواب معسكره أمام صحفيين غربيين. وجدنا معسكراً آخراً في الجبل، وكان أكثر حفاوة. في مكان منعزل، كانت هناك سلسلة من الأبنية في وسط بستان قاحل. في هذا المكان، قامت عدة كتائب ببناء مركز للتدريب بقيادة أبو خالد من كتيبة "الأجانب". يتمتع أبو خالد بموهبة التنظيم، الأمر الذي يسمح له بالقيام بعدة أمور: الإشراف على التدريب، وتجنيد المقاتلين من أجل الجيش السوري الحر، والاستمرار بدفع الجنود السوريين المحرومين للإنشقاق، ومهاجمة بعض المواقع الحكومية القريبة من كتيبته التي تضم حوالي مئة رجل.
ـ    لا يتوفر أي رقم حول حقيقة الانشقاق داخل الجيش السوري. ولكن في المناطق المحيطة بالقلمون، ما زالت هناك بعض المواقع التي يهرب منها الجنود الصغار للإنضمام إلى المتمردين. إلتقينا في زملكا ببعض المنشقين الذين لا يمكن تصورهم يُقاتلون مع الجيش السوري الحر بسبب ماضيهم الثقيل. اعترف أحدهم بهدوء أنه كان أحد عناصر فرقة كوماندوس، وأنه ارتكب أعمالاً مجنونة ضد المتمردين في حمص، قبل أن "يُدرك أن جميع هذه المجازر لن تنفع بشيء"، ثم انضم إلى المعسكر الآخر برفقة أحد رجال الشبيحة في الميليشيات. أكد أبو خالد وجود انشقاقات عادية، وقال: "نقوم بمحاصرة حاجز التفتيش، ونطلب منهم بمكبرات الصوات أن يستسلموا، ونقول لهم أنه لا خوف على حياتهم. أحياناً، نأتي ليلاً عندما يكون هناك اتصالات هاتفية لتسهيل هربهم".
     تبقى مختلف الكتائب حوالي خمسة عشر يوماً في معسكرات التدريب. يهدف التدريب إلى تعليم الأشياء الأكثر أهمية، ويتضمن بشكل خاص التدريب على التسديد بدقة وبعض الدروس العملية حول كيفية التنقل في مواجهة نيران العدو. قال أبو خالد: "يجب الاعترف أيضاً أننا نعلمهم المبادىء  الأولية والهامة للانضباط: لاحظنا أنه سقط الكثير من الجرحى والقتلى بسبب نيران صديقة".
     كان طالباً سابقاً في التسويق بجامعة كوالالمبور، ثم عاد إلى سورية للمشاركة في الحرب. ولكنه لم يفصح عن اسمه الحقيقي بسبب مزيج من الحرص والريبة معاً. قال هذا الطالب: "أمضيت سنتين مع البعض في التمرد، ولكنهم لا يعرفوا اسمي الحقيقي". رسم هذا الطالب علم الكتيبة على الشكل التالي: "هناك خطر قطري يفصل بين اللونين الأسود والأبيض. إنه قرار عملي. يرمز اللون الأسود إلى مجموعة جبهة النصرة الجهادية التي أعلنت ولاءها إلى تنظيم القاعدة، ويرمز اللون الأبيض إلى السلفيين. قلت لنفسي أنه سيكون من الأفضل المزج بين اللونين لكي لا ينزعج أحد، ولكن مع البقاء مختلفاً عنهما". كلما خيّم مناخ الحرب في سورية، كلما ازداد عدد المجموعات التي تتقارب مع التيار الأكثر تطرفاً من الناحية الدينية.
     تقوم كتيبة "الأجانب" من التل في شمال دمشق ببعض الهجمات المفاجئة أحياناً ضد المواقع الحكومية في الجبال الباردة. أظهر الجنود فيلم فيديو عن عملية حديثة: سارت مجموعتهم فترة طويلة في الثلج، ثم حاصرت حاجزاً للتفتيش على جانب أحد الطرقات. عندما بدأ الهجوم، هرب الجنود تاركين القتلى وراءهم، واختفوا في الجبل. قال أحد أعضاء الكتيبة الذي كان طالباً سابقاً في العلوم الاقتصادية: "ساءت الأمور عند عودتنا. لقد أضعت المجموعة في الليل. مشينا حوالي 12 ساعة في الذهاب، ثم قمنا بالهجوم، ثم 12 ساعة للإياب. فجأة، وجدت نفسي وحيداً في الجبل بين الثلج. كنت مرهقاً، وقلت لنفسي أنني سأموت. استجمعت قواي، وتحاملت على نفسي، وصلّيت، ومشيت طويلاً حتى رأيت ضوء أحد المنازل، وهكذا أنقذت حياتي".