الصفحات

الخميس، 6 حزيران، 2013

(النظام استعاد القصير من المتمردين)

صحيفة الفيغارو 6 حزيران 2013 بقلم مراسلها الخاص في دمشق جورج مالبرونو Georges Malbrunot

     رفرف العلم السوري الرسمي من جديد على مدينة القصير الإستراتيجية التي اضطر المتمردون إلى الانسحاب منها بعد احتلالها مدة 18 شهراً. بدأت القوات الخاصة للجيش النظامي بدعم من وحدات النخبة في حزب الله بشن هجوم خاطف على الحي الشمالي في المدينة في الساعة الواحدة صباح يوم الأربعاء 5 حزيران. هذا الحي هو المعقل الأخير الذي تجمع فيه المتمردون. في الساعة السادسة صباحاً، انهزم الناشطون المعارضون لبشار الأسد. وبعد ساعة تقريباً، أعلن تلفزيون الإخبارية المؤيد للحكومة أن الجيش يُسيطر على القصير بشكل كامل. ثم قامت إيران بتوجيه التحية إلى الجيش، واعترف إئتلاف المعارضة بأن مقاتليه اضطروا إلى الانسحاب في مواجهة "ترسانة كبيرة". نجح بعض المتمردين بالهرب، ولجؤوا إلى قرية الضبعة المجاورة، وأشارت بعض المعلومات إلى أنه وقعت فيها بعض الاشتباكات بعد ظهر يوم الأربعاء 5 حزيران.
     وصلت كاميرا تلفزيون المنار إلى المدينة بعد فترة قصيرة من دخول الجيش، وقامت بتصوير 400 جثة التي قام المتمردون بجمعها في إحدى المدارس قبل هربهم. تحولت مدينة القصير إلى مدينة أشباح بشوارعها المهدمة وأبنيتها المنهارة، وذلك بعد أن تعرضت للحصار من قبل الجيش والميليشيات الشيعية.
     بقيت نداءات المساعدة الأخيرة التي وجهها المتمردون بدون جواب، على الرغم من إرسال بعض الوحدات المقاتلة. حاولت دول الخليج إرسال الأسلحة، ولكن النظام وحلفاءه في حزب الله اكتشفوها. كم هو عدد عناصر حزب الله الذين شاركوا في المعركة؟ أشار مصدر رسمي سوري إلى أن عددهم 700 عنصر من الكوماندوس الأفضل تدريباً. ولكن هناك عناصر أخرى انتشرت أيضاً حول القصير لمنع وصول المقاتلين السنة القادمين من لبنان. كم يبلغ عددهم؟ عدة مئات أيضاً. أصبحت القصير الجبهة الأخيرة للفتنة في الشرق الأوسط بين الشيعة والسنة عبر العرّابين الإقليميين: إيران وسورية من جهة، والسعودية وقطر من جهة أخرى. إن هذه الفتنة تُهدد بإشعال الجار اللبناني.
     خسر المتمردون معركة هامة، لأن مدينة القصير ومنطقتها تُمثل بالنسبة لهم مكاناً هاماً لإيصال الأسلحة والرجال انطلاقاً من لبنان. من الناحية النظرية، لم تبق إلا الحدود الشمالية بالقرب من منطقة تلكلخ بالنسبة للمتمردين. ولكن الجيش النظامي استعاد السيطرة على هذه المدينة أيضاً. تتمتع مدينة القصير بأهمية إستراتيجية بالنسبة للنظام أيضاً، لأنها نقطة الوصل بين حمص و"المنطقة العلوية" التي تُمثل القاعدة الخلفية للنظام.
     من المفترض أن تقوم القوات النظامية بتركيز جهودها على مدينة معرة النعمان المجاورة بعد سقوط القصير، لأن معرة النعمان هي مفترق طرق على طريق حمص ـ حلب، والسيطرة على هذه المدينة سيسمح للنظام بفتح الطريق نحو المنطقة الشمالية التي ما زال معظمها بأيدي المتمردين. إنه نجاح عسكري هام بالنسبة للسلطة قبل مؤتمر جنيف 2 الذي ربما سينعقد في شهر تموز.
     استطاع الجيش والميليشيات الشيعية اللبنانية تحقيق تقدم ميداني شيئاً فشيئاً خلال أقل من ثلاثة أسابيع، ابتداءاً من السيطرة على حوالي 12 مدينة في حوض العاصي، ثم التركيز على مطار الضبعة، وأخيراً الحي الشمالي في القصير الذي بنى فيه المتمردون بعض الأنفاق والتحصينات، وقاموا بتفخيخ بعض شوارع المدينة التي غادرها المدنيون.
     من الصعب معرفة حصيلة الضحايا في الجانبين. أشارت بعض المصادر المُقرّبة من المعارضة إلى 900 قتيل بين المتمردين، منهم 200 أو 300 سوري فقط. لقد جاء العديد من الجهاديين في الأسابيع الأخيرة للدفاع عن القصير، وهرب بعضهم إلى طرابلس التي تقع فيها مواجهات يومية دائمة منذ أسبوع بين الناشطين السنة المعارضين لبشار وبين العلويين المؤيدين للنظام السوري.
     أكد مصدر مُقرّب من دمشق أن "الجيش وجّه نداء إلى المقاتلين اللبنانيين السنة لكي يتركوا المدينة قبل وصول عناصر ميليشيات حزب الله. لا تريد دمشق أن يقتل اللبنانيون بعضهم البعض على أرضها. غادر الكثيرون منهم، وبقي الأكثر تشدداً. بالمقابل، لم يكن الجيش يريد السماح بمغادرة الجهاديين الأجانب، ولا يريد اعتقالهم، كانت الأوامر تقضي بقتلهم".
     تُمثل القصير ومنطقتها نموذجاً مصغّراً للموزاييك الطائفي الذي تفتت بسبب العنف. كان عدد سكان المدينة 300.000 نسمة، 70 % منهم تقريباً من المسلمين السنة و30 % من المسيحيين، بالإضافة إلى ثلاث قرى شيعية حولها. قام الجيش بدعوة السكان إلى العودة لمنازلهم. إنه نداء آخر سيببقى رسالة ميتة بدون جواب.