الصفحات

الاثنين، 3 حزيران، 2013

(تمرد شبيه بتمرد الساخطين أكثر من كونه ربيعاً عربياً)

صحيفة الليبراسيون 3 حزيران 2013 بقلم مارك سيمو Marc Semo

     كان العديد من المثقفين يدينون منذ وقت طويل سياسة الرجل القوي في تركيا، وانتشار سياسة أسلمة المؤسسات الجمهورية التي أسسها مصطفى كمال على أنقاض الإمبراطورية العثمانية. إن التسلط المتزايد لرئيس الحكومة رجب طيب أردوغان هو الذي أدى إلى اندلاع التمرد.
     إذا نظرنا إلى ما هو أبعد من شعار المتظاهرين "ساحة تقسيم هي ساحة التحرير"، فإنه ليس هناك علاقة بين الاثنتين. تضاعف متوسط دخل المواطن التركي ثلاث مرات خلال السنوات العشرة الماضية لحكم حزب العدالة والتنمية، وقامت الحكومة باستخدام أوروبا والآمال التي أثارتها من أجل تدمير الهياكل المتسلطة للدولة الكمالية القديمة.
     قال مدير مجلة Birikim المرموقة أحمد إنسل Ahmet Insel: "إن غضب المواطنين أكثر قرباً من حركة الساخطين في أوروبا من قربها من حركات التمرد العربية". تتغذى هذه الحركة بشكل أساسي من رفضها لرجل أخذته نشوة السلطة بعد أن استطاع خلال السنوات الماضية تحقيق النجاحات الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية، وجعل بلده قوة إقليمية هامة، ونموذجاً لجزء كبير من العالم العربي ـ الإسلامي. قال المحلل المختص بالشؤون الأوروبية سنغيز أكتار Cengiz Aktar: "إنها حركة ضد أردوغان أكثر من كونها ضد حزب العدالة والتنمية. وهي في جوهرها رفض للسلطة التي تقول للناس: إخرسوا واستهلكوا".
     إن حزب العدالة والتنمية من الأحزاب الليبرالية المتطرفة اقتصادياً، ولكنه بالغ في استخدام القيم الإسلامية في مجتمع محافظ أصلاً، باستثناء الطبقات الوسطى  في المدن الكبرى. لا شك أن تركيا أكثر ديموقراطية اليوم بالمقارنة مع وضعها قبل خمسة عشر عاماً، وقبل الإصلاحات التي بدأت باسم أوروبا. ولكنها أقل ديموقراطية بكثير بالمقارنة مع الوضع قبل خمس سنوات. يعود أحد أسباب ذلك إلى تلاشي الحلم بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي خلال فترة معقولة. كما شددت السلطات التركية في السنوات  الأخيرة من سياستها تجاه بعض الصحفيين والمثقفين الأكثر انتقاداً مثل عازف البيانو فازيل ساي Fazil Say و الكاتب الأرمني سيفان نيسانيان Sevan Nisanyan بسبب تعليقات بسيطة على تويتر حول الدين ومحمد، واعتبرتها السلطات التركية تجديفاً. كما تبنت الحكومة مؤخراً قانوناً لوضع قيود على استهلاك الكحول، وقدمته بذكاء ضمن نص يندمج بالمعايير الأوروبية للصحة العامة. ولكن العديد من الأتراك يعتبرون أن هذا القانون هو إشارة إضافية حول أسلمة البلد من الأعلى عبر نموذج الطبقة الحاكمة الجديدة ونساءها اللواتي يضعن الحجاب الإسلامي، بعد أن كان ذلك ممنوعاً في هرم السلطة. كما تجري أسلمة البلد من الأسفل عبر ضغوط الرأي العام داخل الأحياء.
     إذا كانت استطلاعات الرأي ما زالت تُعطي الأفضلية بشكل واضح إلى حزب العدالة والتنمية، فإنه يوجد هناك أيضاً تركيا علمانية، أي علمانية "الأتراك البيض" الذين يمثلون طبقة المثقفين القديمة المتأثرة بالثقافة الغربية. وهناك أيضاً علمانية العلويين، وهي طائفة تقدمية تنحدر من المذهب الشيعي، الذين يتحدون السلطة بشكل دائم. تُمثل الطائفة العلوية حوالي ثلث تركيا. قال الباحث سنان أولجين Sinan Ulgen من مؤسسة كارنيجي: "إن سبب هذه الحركة الشعبية غير المسبوقة هو خيبة العلمانيين الذين لم يعد باستطاعتهم التأثير على الحياة السياسية من عشر سنوات".
     وقعت موجة احتجاجات ضخمة في تركيا عام 2007، ولكنها لم تؤثر على شعبية حزب العدالة والتنمية. هل سيختلف الوضع في الانتخابات البلدية القادمة في شهر أيار 2014، ثم الانتخابات الرئاسية في خريف 2014 التي ستكون عن طريق استفتاء مباشر للمرة الأولى، والتي يأمل أردوغان عبرها بتعزيز سلطاته بشكل أكبر؟